ﺁثار بطلان الإجراءات على الدعوى القضائية

 

ﺁثار بطلان الإجراءات على الدعوى القضائية

نظام البطلان في قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد

 

       كثيرا ما  يخسر المتقاضي دعواه لأسباب شكلية و إذا كان بصفة عامة يجوز تصحيح الخطأ الشكلي المرتكب أثناء سير الخصومة ففي بعض الأحيان فإن هذا الخطأ قد يكلف المتقاضي ثمن باهض قد يصل إلى سقوط حقه نهائيا.فمثلا إذا رفع خاسر الدعوى استئناف أمام المجلس القضائي و أغفل الإشارة في عريضة استئنافه إلى بعض البيانات الجوهرية المقررة في المادة 540 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ( ق.إ.م.إ.) فإن استئنافه يكون غير مقبول شكلا الشيء الذي قد يترتب عليه حيازة الحكم المستأنف للطابع النهائي إذا افترضنا أن هذا الحكم قد سبق تبليغه و يكون أجل الاستئناف قد انقضى وقت صدور القرار القاضي بعدم القبول. 

        يتعلق الأمر هنا بمسألة بطلان الإجراءات في الدعاوى المطروحة أمام القاضي المدني و ﺁثارها على مصير هذه الدعاوى. 

       قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجديد الصادر في سنة 2008 ميز بدقة شروط البطلان (الفقرة 1) وإجراءات الدفع بالبطلان (الفقرة2).

 

 

الفقرة 1-  شروط البطلان

الشروط الخاصة بالعيوب في الشكل.- إذا كان سبب البطلان يرتكز على عيب في الشكل، يجب على من يتمسك به أن يثبت الضرر الذي لحقه (م.60 ق.إ.م..إ.)1. وهذا الشرط غير ملزم إذا تعلق الأمر بالعيوب من حيث الموضوع. ولكن كلا النوعين من البطلان يشتركان في كونهما لا يقضى بهما إذا زال سبب البطلان بإجراء لاحق أثناء سير الخصومة (م.66 ق.إ.م..إ).

I.- قاعدة لا بطلان بدون ضرر

تطور التشريع.- لم يتضمن قانون الإجراءات المدنية القديم نصا صريحا بخصوص قاعدة " لا بطلان بدون ضرر"، واكتفت المادة 462 بالنص على أنه: "إذا كان البطلان أو عدم صحة الإجراءات المدفوع به ليس من النظام العام فيجوز للقاضي أن يمنح أجلا للخصوم لتصحيحه ويرجع أثر هذا التصحيح إلى تاريخ الإجراء المطعون فيه بالبطلان أو بعدم الصحة ". ولكن ورغم الفراغ القانوني، فإن المحكمة العليا كرست قاعدة " لا بطلان بدون ضرر" ، إذ قضت في عدة قرارات أنه إذا لحق إجراء من الإجراءات ضررا للخصم أو لحقوق الدفاع،  فإنه يبطل حتى وإن كان العيب المتصل بهذا الإجراء هو عيب في الشكل فقط2. وطبعا فإن تقدير الضرر من عدمه يرجع للقاضي3.

قانون الإجراءات المدنية والإدارية كرس في هذا المجال قضاء المحكمة العليا إذ أن المادة 60 أقرت صراحة مبدأ " لا بطلان بدون ضرر" إذ نصت أنه " لا يقرر بطلان الأعمال الإجرائية شكلا، إلا إذا نص القانون صراحة على ذلك وعلى من يتمسك به أن يثبت الضرر الذي لحقه".

أ.- القاعدة تطبق على العيوب في الشكل

ضرورة إثبات ضرر سببه العيب في الشكل.- حتى يقبل الدفع ببطلان الأعمال الإجرائية شكلا، يجب على من يتمسك به أن يثبت الضرر الذي سببه له العمل الإجرائي المطعون فيه. هل يجب إثبات الضرر إذا كان الإجراء المشوب بالبطلان هو إجراء جوهري أو من النظام العام؟ المادة 60 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية تشير إلى الأعمال الإجرائية شكلا دون تمييز، ومن ثمة فإنه يجب إثبات الضرر لقبول الدفع بالبطلان في الشكل، حتى إذا كان الإجراء الذي تم خرقه هو إجراء جوهري أو من النظام العام.وجود الضرر من عدمه يدخل في السلطة التقديرية للقاضي1.

تأثير قاعدة إثبات الضرر على نظرية تكافؤ البيانات.- أخذت المحكمة العليا بنظرية تكافؤ البيانات théorie des équipollents في مجال بطلان الإجراءات لعيب في الشكل، وتبعا لذلك فإنها رفضت البطلان المؤسس على إغفال بيان من البيانات المنصوص عليها قانونا إذا أمكن استنتاج هذا البيان من البيانات الأخرى التي يتضمنها السند2. ولكن إذا أوقع هذا الخرق مساسا بحقوق الدفاع، فإن المحكمة العليا أقرت بطلان الإجراء3.

نص قانون الإجراءات المدنية والإدارية صراحة عن قاعدة تكافؤ البيانات في الباب المتعلق بالأحكام إذ نصت المادة 283 أنه: " لا يترتب على إغفال أو عدم صحة أحد البيانات المقررة لصحة الحكم بطلانه، إذا ثبت من وثائق ملف القضية أو من سجل الجلسات أنه تم فعلا مراعاة القواعد القانونية ".

تطبيقات المادة 60 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية التي تستلزم إثبات الضرر لإبطال الأعمال الإجرائية شكلا سيجعل اللجوء إلى نظرية تكافؤ البيانات عديم الفائدة في أغلب الحالات.

ب.- القاعدة لا تطبق على العيوب المتصلة بالموضوع

عدم اشتراط وقوع ضرر للخصم.- إن الدفع ببطلان عقد غير قضائي أو إجراء بسبب عيب في الموضوع، يكون مقبولا دون اشتراط وقوع ضررا للخصم.

ج. صعوبات التمييز بين العيب من حيث الشكل والعيب من حيث الموضوع

التمييز بين العيب من حيث الشكل والعيب من حيث الموضوع، لا سيما على مستوى توفر شرط الضرر من عدمه، قد يثير إشكالات عديدة. وبالفعل إنه من الصعب التمييز بين البطلان من حيث الشكل والبطلان من حيث الموضوع، ومن ثمة فمن السهل الانتقال من بطلان إلى ٱخر، وإعادة تكييف عيب من حيث الموضوع إلى عيب من حيث الشكل. وإمكانية إعادة التكييف هذه قد يشجع الجهات القضائية إلى الميل بصفة مفرطة نحو تكييف عيوب في الموضوع على أنها عيوب في الشكل تستلزم قيام الضرر لتصبح باطلة، وذلك بغرض تجنب أسباب البطلان.

د. - موقف القضاء من بطلان الإجراءات

موقف المحكمة العليا بالنسبة لأسباب البطلان في ظل قانون الإجراءات المدنية القديم.-  قضاء المحكمة العليا حول مسألة التمييز بين أسباب البطلان لعيب في الموضوع ولعيب في الشكل يواكب ويتماشى مع النصوص الجديدة لقانون الإجراءات المدنية والإدارية من حيث أنه من جهة، ميز بين العيب في الشكل والعيب في الموضوع، ومن جهة أخرى ألزم توفر شرط الضرر لإقرار البطلان لعيب في الشكل.

استقر قضاء المحكمة العليا على ترتيب البطلان على كل إجراء يشوبه عيب في الموضوع. فالأعمال التي يباشرها فاقد الأهلية هي أعمال باطلة وحتى الأعمال السابقة لقرار الحجر تبطل إذا أعيبت بالتدليس أو سوء النية1. ونفس الجزاء يترتب على الأعمال باسم الموكل دون توكيل2. وأما مخالفة المواعيد المحددة قانونا فيترتب عليها السقوط3.

اعتبرت المحكمة العليا من المسائل الجوهرية، بعض الإجراءات رغم أن قانون الإجراءات المدنية القديم لم يرتب صراحة على مخالفتها البطلان. فسند تبليغ حكم يكون باطلا إن لم يكن هذا السند مرفقا بنسخة من الحكم، ومن ثمة لا يسرى به أجل الاستئناف4. ويجب أن يرفع الاستئناف ضد من كانوا خصوما في الدرجة الأولى5، مع أن عريضة الاستئناف المرسلة إلى رئيس المجلس القضائي على شكل رسالة تكون مقبولة إذا كان قد تم إيداعها بأمانة الضبط وتضمنت البيانات المقررة قانونا ولو بصورة موجزة6. ويجب في كل القرارات، تحت طائلة البطلان، النص على أن المستشار المقرر قد تلا تقريره الشفهي7، كما أن طلب اعتراض الغير الخارج عن الخصومة يكون باطلا إذا كان غير مصحوبا بإيداع الكفالة المنصوص عليها في المادة 192 من قانون الإجراءات المدنية القديم8.

II.- تصحيح الإجراءات

عدم صحة العمل الإجرائي شكلا. - إذا تم تصحيح الإجراء المشوب بالبطلان، ولم يبقى أي ضرر قائم بعد التصحيح، فإنه لا يقضي بالبطلان، وعندئذ فإن أثر هذا التصحيح يسري من تاريخ الإجراء المشوب بالبطلان (م. 62 ق.إ.م.إ.).

عدم صحة العمل الإجرائي من حيث الموضوع. - نصت المادة 66 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية أنه لا يقضي ببطلان إجراء من الإجراءات القابلة للتصحيح، إذا زال سبب ذلك أثناء سير الخصومة. وقد يتعلق الأمر مثلا بتمثيل فاقد الأهلية.

يمكن تصحيح الإجراء المشوب بالبطلان إلى غاية صدور الحكم. ولكن هل يجوز تصحيح إجراء أثناء الاستئناف، مثلا تصحيح عريضة افتتاح دعوى مشوبة بالبطلان رغم صدور الحكم ولم يطرأ أي تصحيح في الدرجة الأولى؟ قانون الإجراءات المدنية والإدارية لم يعطي حلا للمسألة، ولكن قضاء المحكمة العليا يوحي بأن الإجراء الباطل أو الغير الصحيح يمكن تصحيحه لا فقط إلى وقت صدور الحكم، بل حتى على مستوى الاستئناف. ففي أحد قراراتها فإن المحكمة العليا ساندت قضاء مجلس قضائي تطرق لموضوع الدعوى رغم بطلان التكليف بالحضور مسببة قضائها على أن بطلان التكليف بالحضور لم يؤثر على الحكم المستأنف1.

الفقرة 2- إجراءات الدفع بالبطلان وأثاره  

يخضع الدفع بالبطلان للقواعد العامة المطبقة على الدفوع، ولكن وباعتبار أن أعمال الإجراءات تباشر وتبلغ طوال سير الخصومة، فإن الدفع بالبطلان يخضع لبعض القواعد الخاصة تتسم بالمرونة. فبعد تحديدنا للوقت الذي يجب فيه تقديم الدفع بالبطلان (I)، سنعرف الطرف الذي يجوز له إثارته (II) ثم سنعرض آثار البطلان المقضي به (III).   

I.- متى يجوز الدفع بالبطلان ؟

البطلان لعيب في الشكل.- كما كان عليه الحال سابقا، يجب التمسك بالبطلان لعيب في الشكل بسرعة، وإلا اعتبر الخصم كأنه تنازل عن إثارته. وحسب نص المادة 61 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية: " يمكن إثارة الدفع ببطلان الأعمال الإجرائية شكلا خلال القيام بها، ولا يعتد بهذا الدفع إذا قدم من تمسك به دفاعا في الموضوع لاحقا للعمل الإجرائي المشوب بالبطلان دون إثارته ". ولتفادي العوارض المتكررة، فإن المادة 50 من قانون الإجراءات المدنية  والإدارية  تنص على أنه: " يجب إثارة الدفوع الشكلية في آن واحد قبل إبداء أي دفاع في الموضوع، أو دفع بعدم القبول، وذلك تحت طائلة عدم القبول". وبشأن العيوب المتصلة بعقود التبليغ الرسمي فإن المادة 407 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية  تنص على أنه: " إذا لم يتضمن محضر التبليغ الرسمي البيانات المشار إليها أعلاه، يجوز للمطلوب تبليغه الدفع ببطلانه قبل إثارته لأي دفع أو دفاع".

الدفع بالبطلان من حيث الموضوع.- قلنا أن المادة 64 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية حددت على سبيل الحصر حالات بطلان العقود غير القضائية والإجراءات من حيث موضوعها، وهذه الحالات هي انعدام الأهلية في الخصوم وانعدام الأهلية أو التفويض لممثل الشخص الطبيعي أو المعنوي. في هذه الحالات فإنه يجوز إثارة البطلان لا فقط في أية حالة كانت عليها الدعوى، ولكن كذلك تلقائيا من طرف القاضي. فطبقا للمادة 65 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية: " يثير القاضي تلقائيا انعدام الأهلية، ويجوز له أن يثير تلقائيا انعدام التفويض لممثل الشخص الطبيعي أو المعنوي ".

II.- ممن يقدم الدفع بالبطلان؟

الطرف الذي تقرر البطلان لصالحه.- لا يجوز التمسك ببطلان الأعمال الإجرائية شكلا إلا لمن تقرر البطلان لصالحه (م. 63 ق.إ.م.إ). ويجب علاوة على ذلك على من يتمسك بهذا البطلان أن يثبت الضرر الذي لحقه (م. 60 ق.إ.م.إ).

وإذا كان عدم صحة العقد القضائي أو الإجراء مؤسس على بطلان من حيث الموضوع، ويخص انعدام الأهلية أو انعدام الأهلية أو التفويض لممثل الشخص الطبيعي أو المعنوي، فإنه يجوز لأي طرف إثارة البطلان بل يمكن للقاضي حتى إثارته تلقائيا(م. 64 و 65 ق.إ.م.إ).

III.- ﺁثار البطلان

البطلان ينصب على الإجراء الباطل كقاعدة عامة.- مبدئيا فإن ﺁثار البطلان تقتصر على العمل الإجرائي المطعون فيه، ولكن قد يمتد البطلان ليشمل كل الإجراءات المنجزة على أساس العقد الذي أبطل. وأحيانا قد يكون الجزاء الذي يترتب على البطلان أكثر خطورة إذ يؤدي إلى سقوط الحق ذاته. فإذا أبطل عقد الاستئناف مثلا، فإن أجل الاستئناف يكون غالبا قد انقضى. وبطلان التكليف بالحضور قد يترتب عليه تقادم الدعوى وكذا سقوط الحق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1 حول مفهوم الضرر طالع:

Y.Lobin, la notion de grief dans les nullités des actes de procédure, mélanges Vincent, p.23; Wiederkehr, la notion de grief et les nullités de forme dans la procédure civile, D.1984.165.

2 غ.م.، 16 مارس 1983، قرار رقم 27427، إ.ق. 36.1986.

3 غ.م.، 9 يونيو 1982، قرار رقم 24887، ن.ق. 1982. 158.

1 القرار المؤرخ في 9 يونيو 1982 السالف الذكر.

2 غ. ق. خ.، 6 فبراير 1969، ن. ق. 1969. 3. 23.

3 غ. م.، 16 مارس 1983، قرار رقم 27427، إ. ق. 1986. 36 (الوجه المأخوذ من عدم سماع المتدخلين في الخصام غير مقبول كونه لا يمس بحقوق الدفاع).

1 غ. ق. خ.، 7 ديسمبر 1966، ن. س. ع.  1966-1967. 387؛ غ. ق. خ.، 29 نوفمبر 1967، ن. ق. 1968. 1. 36؛ غ. ت. ب.، 12 مارس 1983، قرار رقم 23713، إ. ق. 1986. 165.

2 غ. ج.، 12 يوليو 1966، ن. س. ع. 1966 - 1967. 327.

3 غ. ق.، خ، 5 أكتوبر 1966، ن. س. ع. 1966 - 1967. 384، 24 مايو 1967، ن. س. ع، 1966 - 1967. 401.

4 غ. م.، 14 أبريل 1982، قرار رقم 27437، ن. ق. 1982. 183.

5 غ. م.، 30 مارس 1983، قرار رقم 30958، إ. ق. 1986. 21.

6 غ. م.، 24 مايو 1982، قرار رقم 29159، إ. ق. 1986. 133.

7 غ. ت. ب.، 20 نوفمبر 1982، قرار رقم 26387، إ. ق. 1986. 158.

8 غ. م. 2، 9 يونيو 1982، قرار رقم 24573، ن. ق. 1982. 147 (في هذه الحالة يتعلق الأمر بعدم القبول وليس بالبطلان).

1 غ. ق. خ.، 25 سبتمبر 1968، ن. ق. 1969. 1. 41.

الأستاذ براهيمي محمد

محامي لدى المجلس

026838165

brahimimohamed54@gmail.com

www.brahimi-avocat.e- monsite.com

إضافة تعليق

You're using an AdBlock like software. Disable it to allow submit.