التماس إعادة النظر في الأحكام في قانون الإجراءات المدنية و الإدارية : قواعده و إشكالاته

قانون الإجراءات المدنية القديم لم يعرف التماس إعادة النظر، ومع ذلك فإن هذا الطريق الغير العادي للطعن في الأحكام كان يعرف بأنه الطعن المقرر للأطراف ضد الأحكام الصادرة من المحاكم أو المجالس القضائية التي لا تكون قابلة للمعارضة أو الاستئناف، وذلك بغرض مراجعتها في الحالات الاستثنائية التي يكون فيها الخطأ أو عدم صحة الإجراءات المتصلة بهذه الأحكام أو القرارات غير منسوب للقاضي؛ من يستعمل هذا الطريق من طرق الطعن لا يؤاخذ القاضي على أنه أساء في قضائه أو أنه خالف القانون؛ عريضة التماس إعادة النظر ليست شكوى ضد نزاهة وكفاءة القاضي. الملتمس  يدعي فقط أن القاضي أوقع في خطأ وأنه في كل الأحوال فإن خطئه كان غير عمدي. لذا يعتبر التماس إعادة النظر طريق للمراجعة؛  يرفع الالتماس بإعادة النظر إلى نفس المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه.

ختلف التماس إعادة النظر عن الاستئناف من أن، عن طريق هذا الأخير، يطلب من الجهة القضائية للدرجة الثانية مراجعة أو إلغاء الحكم الغير الصحيح والمخالف للقانون الصادر من قاضي الدرجة السفلى (1). ويختلف عن المعارضة من أن الطرف المتغيب يطلب مراجعة الحكم الصادر ضده دون تمكنه من الدفاع عن نفسه.

وبالعكس، ففي تشريعنا، لالتماس إعادة النظر في الأحكام علاقات وثيقة بالطعن بالنقض. وهذه العلاقة تفسر بكون هذين الطريقين للطعن كان لهما في الإجراءات القديمة نفس المصدر. الطعن بالنقض والتماس إعادة النظر في الأحكام (العريضة المدنية سابقا La requête civile) انفصلا في القرن السادس عشر من طريق للطعن كان يعرف تحت تسمية اقتراح الغلط Proposition d’erreur ثم  ألغي هذا الطعن الأخير بموجب الأمر الصادر سنة 1667 المنظم للطعن بالنقض مع إبقائه للعريضة المدنية. وحصر هذا الأمر الأحوال التي يجوز فيها استعمال طريق العريضة المدنية. ومدد هذا النظام في قانون الإجراءات المدنية الفرنسي المطبق في الجزائر قبل 1966 (م. 480 و 481) ثم مدد في قانون الإجراءات المدنية الجزائري الصادر في  1966.

المادة 194 من قانون الإجراءات المدنية القديم هي التي حددت أسباب قبول التماس إعادة النظر، ويمكن  جمع هذه الأسباب في قسمين: القسم الأول، الذي يطابق أصل المؤسسة، يتضمن الحالات التي أساءت المحكمة في قضائها بسبب غلط غير عمدي راجع للقاضي، وكان مصدره فعل أحد الخصوم أو من مثله (الغش الشخصي، القضاء بناء على وثائق اعترف أو صرح بعد صدور الحكم أنها مزورة، احتجاز وثائق قاطعة، عدم الدفاع عن عديمي الأهلية). فالتماس إعادة النظر يشكل هنا حقا دعوى إعادة النظر في الأحكام المدنية لغلط أو لخطأ من الواقع erreur de fait: إنه يختلف بوضوح عن الطعن بالنقض.

ويتضمن القسم الثاني بعض العيوب الإجرائية Vices de procédure. إنها الحالات التي لم تراعى فيها الأشكال الجوهرية قبل أو وقت صدور الأحكام، والحالات التي حكم فيها بما لم يطلب أو بأكثر مما طلب أو سهي عن الفصل في أحد الطلبات، أو كذلك الحالات التي يوجد فيها تناقض في أحكام صادرة عن نفس الأسانيد ومن نفس الجهة القضائية، أو تناقض في نصوص الحكم نفسه. يتعلق الأمر هنا بخطأ أو سهو مرتبط بعيب في نشاط القاضي الذي تجاهل بغير عمد قواعد التحقيق والفصل في الدعاوى Erreur in procedendo. ولكن بعض هذه الأسباب التي تفتح الطعن بالتماس إعادة النظر، وبالخصوص عدم مراعاة الأشكال الجوهرية، هي نفسها الأسباب التي تفتح الطعن بالنقض. وهذا التداخل بين التماس إعادة النظر والطعن بالنقض نتج عنه إشكالات عديدة،  لأنه لا يمكن للأطراف الخيار بين الطريقين، في حين أنه من الصعب تحديد مجال تطبيقهما.

قدم قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجديد تعريفا صريحا ومختصرا لالتماس إعادة النظر، فحسب المادة 390: "يهدف التماس إعادة النظر إلى مراجعة الأمر الاستعجالي أو الحكم أو القرار الفاصل في الموضوع، والحائز لقوة الشيء المقضي فيه، ذلك للفصل فيه من جديد  من حيث الوقائع والقانون". من جهتها فإن المادة 297 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية التي أقرت مبدأ تخلي القاضي عن النزاع الذي فصل فيه بمجرد النطق بالحكم، تنص أنه يمكن للقاضي الرجوع عن حكمه في حالة التماس إعادة النظر. أدخل قانون الإجراءات المدنية والإدارية كذلك اصطلاحات في الأوجه التي يجب أن يبنى عليها التماس إعادة النظر وإجراءاته وعلاقاته بالطعن بالنقض.

I - مجال تطبيق التماس إعادة النظر في الأحكام

1- ممن وعلى من يرفع التماس إعادة النظر في الأحكام

  يجوز تقديم التماس إعادة النظر ممن كان طرفا في الحكم أو القرار أو الأمر، أو تم استدعائه قانونا (م.391 ق.إ.م.إ.). وبهذا فإن القواعد هي نفسها القواعد التي تسري على الاستئناف.مسألة معرفة ما إذا كان الغير يستفيد من آثار التماس إعادة النظر في الحكم، أو أنه يمكن الاحتجاج بها عليه، فإن الحلول هي نفسها الحلول المعطاة للاستئناف. فمباشرة  الطعن بالتماس إعادة النظر ككل طرق الطعن ليس لها إلا أثر فردي ونسبي، أي أنه لا يستفيد بها إلا الأشخاص الذين قاموا بها، كما لا يحتج بها إلا على من وجهت ضدهم. ففي حالة تعدد الخصوم في الخصومة الأصلية التي صدر فيها الحكم محل الطعن باتماس اعادة النظر ، فإن القاعدة أنه لا يستفيد من اهذا الطعن إلا من رفعه ولا يحتج به إلا على من رفع عليه. فالحكم قد يلغي أو يعدل بالنسبة لأطراف الاستئناف، ويظل قائما كما هو وحائزا لقوة الشيء المقضي فيه بالنسبة للخصوم الذين لم  يطعنوا في الحكم أو لم ييطعن عليهم، وذلك لأنهم من الغير بالنسبة لخصومة  التماس إعادة النظر. وتبعا لذلك فإذا قدم الالتماس بإعادة النظر من أحد المحكوم عليهم فقط، فإن هذا الالتماس يكون مقبولا حتى وإن لم يتم تكليف باقي المحكوم عليهم للخصومة في  الالتماس بإعادة النظر ، ولا يكون خلاف ذلك إلا في حالة عدم قابلية التجزئة أو التضامن.

2-  الأحكام القابلة لالتماس إعادة النظر

  حتى يكون التماس إعادة النظر مقبولا يجب أن يكون الحكم أو القرار أو الأمر الاستعجالي قد فصل في الموضوع وحائز لقوة الشيء المقضي فيه، وهذا ما أقرته المادة 390 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

يفهم من نص المادة 390 أن قبول التماس إعادة النظر يتوقف على توفر عنصرين: أن يكون الحكم أو القرار أو الأمر الاستعجالي قد فصل في الموضوع، وأن يكون كذلك حائزا لقوة الشيء المقضي فيه.

الحكم الفاصل في الموضوع هو حسب المادة 296 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الحكم الفاصل كليا أو جزئيا في موضوع النزاع أو في دفع شكلي أو في دفع بعدم القبول أو في أي طلب عارض. وحسب نفس المادة فإن هذا الحكم يحوز بمجرد النطق به حجية الشيء المقضي فيه في النزاع المفصول فيه. وتبعا لذلك فإن الأحكام قبل الفصل في الموضوع التي لا تفصل في موضوع النزاع، بل تأمر فقط بإجراء من إجراءات التحقيق لا تكون قابلة للطعن فيها بالتماس إعادة النظر.

المادة 390 التي تجيز التماس إعادة النظر فقط في الأحكام الفاصلة في الموضوع تثير إشكالا عندما يتعلق الأمر بحكم فصل في جزء من النزاع، أي الحكم المختلط الذي يفصل في منطوقه جزء من النزاع ويأمر في نفس الوقت إجراء من إجراءات التحقيق أو تدبير مؤقت. هل يكون هذا الحكم قابلا لالتماس إعادة النظر مباشرة أو أنه يجب انتظار الحكم الفاصل في أصل الدعوى برمتها كما هو مقرر للاستئناف؟ منع الاستئناف المباشر في الحكم المختلط وتأجيل قبوله إلى حين صدور الحكم الفاصل في الدعوى برمتها، يجعل كذلك التماس إعادة النظر غير مقبول إلا إذا رفع مع الحكم النهائي الفاصل في النزاع برمته.

الشرط الثاني لقبول التماس إعادة النظر هو أن يكون الحكم أو القرار أو الأمر الاستعجالي حائزا لقوة الشيء المقضي فيه. يجب هنا كذلك توضيح بعض المصطلحات. الحكم الحائز لقوة الشيء المقضي فيه هو الحكم الذي حاز سلطة الشيء المقضي فيه أي الحكم الذي فصل في أصل الحق (م.296 ق.إ.م.إ)، والذي يكون غير قابلا لأي طريق من طرق الطعن الموقفة للتنفيذ أي الاستئناف والعارضة، أو أصبح غير قابلا لذلك بسبب انقضاء أجلهما. لذلك فإن الأوامر الاستعجالية التي هي أوامر مؤقتة ليست لها سلطة الشيء المقضي فيه تكون غير قابلة لالتماس إعادة النظر(2) . لكن القانون أسند لقاضي الأمور المستعجلة الفصل في بعض المواد كقاضي الموضوع ففي هذه الحالة فإن الأمر الاستعجالي الذي يصدره يحوز سلطة الشيء المقضي فيه ومن ثمة يكون قابلا لالتماس إعادة النظر ككل الأحكام (م.300 ق.إ.م.إ).

بالنسبة للاوامر الاستعجالية فان المشرع أقر بعض الإستثناءات لمبدأ منع قاضي الأمورالمستعجلة بالمساس بأصل الحق. ففي مجال أوامر الأداء مثلا، فإن المادة 308 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية نصت على أن الاعتراض على أمر الأداء يقدم أمام قاضي الأمور المستعجلة، فيما أنه في التشريع القديم فإن الاعتراض كان يجب تقديمه أمام قاضي الموضوع. بالنسبة للمنازعات المتعلقة بالمحلات المعدة للسكن التابعة لدواوين الترقية والتسيير العقاري فإن المرسوم رقم 76-147 المؤرخ في 23 أكتوبر 1976 أقر اختصاص قاضي الأمور المستعجلة لطرد المستأجر الذي  يخل بالتزاماته . في مجال شؤون الأسرة فإن بعض المنازعات يفصل فيها عن طريق الاستعجال ومثال ذلك المنازعات الخاصة بتعيين الوصي( م. 472 ق.إ.م.إ)، أو طلبات إنهاء ممارسة الولاية على القاصر أو سحبها (م. 453 ق.إ.م.إ). وهذا النوع من الأوامر الاستعجالية التي تفصل في الموضوع  تحوز حجية الشيء المقضي فيه وهذا ما أشارت إليه المادة 300 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

الحكم الذي  يمكن استئنافه أو المعارضة فيه لا يقبل الطعن بالتماس إعادة النظر ما دام آجال هذين الطعنين ما زالت قائمة ولم تنقضي. المادة 194 من قانون الإجراءات المدنية القديم كانت تتكلم عن الأحكام الصادرة من المحاكم والمجالس التي لا تكون قابلة للطعن فيها بطريق المعارضة أو الاستئناف. القضاء استنتج من هذا النص أن الأمر يتعلق بالأحكام النهائية دون الأحكام الابتدائية، وتبعا لذلك إذا كان يمكن رفع معارضة أو طعن بالنقض موازاة مع التماس إعادة النظر، فإن هذا الطعن الأخير يكون غير مقبولا في حالة صيرورة الحكم نهائيا بسبب ترك فوات أجل الاستئناف. وبعبارات أخرى فإن التماس إعادة النظر يكون مقبولا فقط ضد الأحكام النهائية، فلو كان الحكم قابلا للاستئناف ولم يباشر فإن حق الطعن بالتماس إعادة النظر يسقط .(3)

قانون الإجراءات المدنية والإدارية أقر قواعد مرنة من شأنها توسيع مجال قبول  التماس إعادة النظر، إذ يجيز مباشرة هذا الطعن بمجرد حيازة الحكم  قوة الشيء المقضي فيه حتى و إن كان هذا الطابع قد طرأ بسبب فوات أجل المعارضة أو الاستئناف. ومع ذلك إذا رفع طعن بالنقض ضد قرار، وقضت المحكمة العليا برفضه أو بعدم قبوله، فإنه لا يجوز للطاعن أن يطعن في القرار المطعون فيه أمام المحكمة العليا بالتماس إعادة النظر (م.375 ق.إ.م.إ). من جهة أخرى فإن قانون الإجراءات المدنية والإدارية حاول جعل حد للجدل الذي كان قائما في ظل التشريع القديم حول مسألة ما إذا كان يجوز مباشرة الطعن بالنقض موازاة مع التماس إعادة النظر ولكن نعتقد أنه أخفق في هذا المسعى. المادة 352 تنص من جهتهـا أنه: "لا يقبل الطعن في ذات الوقت بالتماس إعادة النظر في الأحكام والقرارات المطعون فيها بالنقض". القواعد الواردة في المادتين 375 و 352 تثير بعض الملاحظات.

مشكل تداخل الطعن بالتماس إعادة النظر بالطعن بالنقض كان مطروحا بحدة في ظل قانون الإجراءات المدنية القديم والسؤال الذي كان قائما والذي لم يعطي له القضاء حلا مرضيا هو معرفة ما إذا كان يجوز مباشرة هذين الطعنين غير العاديين بالتوافق ودون تمييز أو يجب الخيار بينهما. هذا الإشكال كان مصدره تداخل بعض أوجه التماس إعادة النظر بأوجه الطعن بالنقض على غرار الوجه المأخوذ من عدم مراعاة الأشكال الجوهرية الذي كان يشكل في نفس الوقت وجها للالتماس ووجها للطعن بالنقض (م.194-1
و 233-2 ق.إ.م.)، ونفس الشيء بالنسبة للوجه المأخوذ من السهو عن الفصل في أحد الطلبات الذي يشكل وجها لالتماس إعادة النظر (م.194-2 ق.إ.م.إ) كما قد يشكل وجها للطعن بالنقض لأن السهو عن الفصل في أحد الطلبات هو بمثابة خرق لمبدأ إلزامية الجهات القضائية بالإجابة على كل طلبات الأطراف أي خرق للقانون يكون مرفقا كذلك بانعدام التسبيب الذي هو كذلك وجه من أوجه الطعن بالنقض.

هذا التداخل بين الطعنين والإشكالات المترتبة عن ذلك دفعت بعض الفقهاء إلى اقتراح حلول تتلخص في جعل التماس إعادة النظر مستقل عن الطعن بالنقض وذلك بتقليص أوجه الالتماس لتقتصر على الأوجه المأخوذة من الغش أو التزوير أي أوجه من الوقائع وترك للطعن بالنقض الأوجه القانونية المحضة. هذا الإصلاح سيسمح باللجوء إلى كلا الطعنين ولو بالتزامن أو بالتتابع ما دام كل منهما يخضع لأوجة وآجال خاصة بكل واحد منهما و غير متداخلة. إن اغلب التشريعات الحديثة  أخذت بهذا النظام.

إذا رجعنا إلى أوجه التماس إعادة النظر وأوجه الطعن بالنقض في قانون الإجراءات المدنية والإدارية فلا شك أن المشرع الجزائري استلهم هو كذلك من الآراء الفقهية التي نادت بتبسيط أوجه التماس إعادةالنظر وفصل هذا الطعن نهائيا عن الطعن بالنقض. لذلك فإن أوجه التماس إعادة النظر قلصت إلى سببين فقط مأخوذين من الغش أو التزوير (شهادة شهود أو وثائق مزورة، اكتشاف أوراق حاسمة محتجزة لدى الغير) (م.392 ق.إ.م.إ) . وإما الأوجه الأخرى التي كان يبنى عليها التماس إعادة النظر في ظل قانون الإجراءات المدنية القديم (الحكم بما لم يطلب، وجود أحكام متناقضة، تناقض في الحكم نفسه، عدم الدفاع عن عديمي الأهلية) فإنها أصبحت أوجه للطعن بالنقض في التشريع الجديد (م.358 ق.إ.م.إ). وبغرض التمييز بين الطعنين فإن المادة 390 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية تنص أن التماس إعادة النظر يهدف إلى مراجعة الحكم المطعون فيه والفصل من جديد من حيث "الوقائع والقانون" علما أن الطعن بالنقض يرمي فيما يخصه  إلى الفصل فقط في المسائل القانونية دون الوقائع.

النتيجة الضرورية والحتمية  للإصلاح الذي أدخله قانون الإجراءات المدنية والإدارية على نظام التماس إعادة النظر والطعن بالنقض لا سيما فيما يتعلق بأوجه الطعن هو أن منع الجمع بين هذين الطعنين أي مباشرتهما في نفس الوقت أو بالتتابع لم يصبح له مبررا كون أوجه التماس إعادة النظر أصبحت مستقلة ولا تتداخل مع أوجه الطعن بالنقض فيجوز إذا منطقيا مباشرة هذين الطعنين ضد نفس الحكم بالتزامن أو بالتتابع علما أن بدء أجل رفع هذين الطعنين يختلف إذ أن أجل الطعن بالنقض يسري من تاريخ تبليغ الحكم المطعون فيه فيما أن أجل التماس إعادة النظر لا يسري إلا من تاريخ ثبوت التزوير أو تاريخ اكتشاف الوثيقة المحتجزة. تبعا لذلك فإذا رفع التماس إعادة النظر في حكم ودفع المدعى عليه بأن نفس الحكم هو محل طعن بالنقض لم يفصل فيه بعد  أو أنه طعن فيه بالنقض ورفض هذا الطعن فإن الجهة القضائية  تكون رغم ذلك مختصة للفصل في الطعن بالالتماس ولا يجوز لها التصريح بعدم قبوله. وإما إذا سبق تقديم التماس إعادة النظر في حكم وفصل فيه بإلغاء الحكم المطعون فيه وكان الطعن بالنقض ضد نفس الحكم ما زال مطروحا أمام المحكمة العليا فإن هذه الأخيرة ستقضي بألاوجه للفصل وهذا ما قضى به مثلا مجلس النقض الفرنسي على أساس أحكام قانون الإجراءات المدنية الفرنسي الذي أقر نفس النظام بالنسبة لأوجه التماس إعادة انظر. (4)

ولكن وكما سبق شرحه فإن المادتين 352 و 375 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية تضمنتا أحكاما تناقض القواعد السالفة الذكر إذ تقران من جهة عدم قبول الطعن في ذات الوقت بالتماس إعادة النظر في الحكم المطعون فيه بالنقض (م.352 ق.إ.م.إ )، ومن جهة أخرى تمنع التماس إعادة النظر في الحكم الذي سبق أن طعن فيه بالنقض وقضت المحكمة العليا برفضه أو بعدم قبوله (م.375 ق.إ.م.إ). وإذا كانت المادة 375 واضحة لا تترك مكانا للتأويل فإن المادة 352 تثير تساؤلات حول مدلولها. المادة 352 تمنع الطعن بالتماس إعادة النظر في حكم هو محل طعن بالنقض "في ذات الوقت" أي أن المنع يخص التماس إعادة النظر الذي يكون متزامنا مع طعن بالنقض.فهل يجوز حينئذ رفع التماس إعادة النظر إن كان غير متزامنا مع الطعن بالنقض؟ وما معنى عبارة " في ذات الوقت "؟ هل تعني أن يكون كلا الطعنين ضد نفس الحكم قد أودعا وسجلا بأمانة الضبط في نفس التاريخ أم يكفي أن تكون الخصومة مطروحة أمام المحكمة العليا؟ وإذا كان لا يجوز رفع التماس إعادة النظر إذا كان نفس الحكم موضوع طعن بالنقض فهل يجوز رفع طعن بالنقض إذا كان الحكم المطعون فيه موضوع التماس إعادة النظر؟ 

الإجابة عن هذه الأسئلة لها أهمية بمكان نظرا لتأثيرها على حقوق المتقاضين وعلى مبدأ ضمان قضاء عادل. أهمية المسألة تبرز في المثال الآتي: قد يقع أن يكشف المتقاضي أن الحكم الذي صدر ضده بني على وثيقة مزورة أو ثبتت قضائيا تزويرها بعد أن أصبح هذا الحكم باتا أي بعد مروره على طريق الطعن بالنقض. فهل يجوز تقديم طعن بالتماس إعادة النظر في الحكم الذي سبق وأن طعن فيه بالنقض؟ ومن زاوية أخرى إذا رفع المتقاضي التماس إعادة النظر في حكم  ارتكازا على الغش أو التزوير طبقا للمادة 372 وقضت الجهة القضائية برفضه ، هل يمكنه رفع طعن بالنقض ضد نفس الحكم؟ بالنسبة للحالة الأولى رأينا أن المادة 375 تمنع صراحة ذلك. وإما في الحالة الثانية فنعتقد أن الطعن بالنقض يبقى مفتوحا فيجوز لمن رفض طعنه بالتماس إعادة النظر أن يطعن بالنقض في نفس الحكم أمام المحكمة العليا.

يستخلص مما سبق عرضه أن الإصلاحات الهامة التي أدخلها المشرع على نظام التماس إعادة النظر والطعن بالنقض قد أفسدت بسبب إقرار قانون الإجراءات المدنية والإدارية لقواعد تتعارض مع هذه الإصلاحات وذلك حينما منع مباشرة هذين الطعنين في نفس الوقت أو بالتتابع وهذا الوضع سينعكس سلبيا على المتقاضي.

قانون الإجراءات المدنية القديم كان يجيز التماس إعادة النظر في قرارات المحكمة العليا و لكن في حالتين فقط: إذا تبين أن قرارها قد بني على مستندات مزورة مقدمة لأول مرة أمامها، أو إذا حكم على الملتمس لتعذر تقديمه مستندا قاطعا في الدعوى كان خصمه قد حال دون تقديمه (م. 295 ). قانون الإجراءات المدنية والإدارية لم يمدد هذه القاعدة إذ أصبحت قرارات المحكمة العليا غير قابلة لالتماس إعادة النظر وذلك لأن المادة 339 تجيز هذا الطعن فقط ضد الأوامر الاستعجالية أو الأحكام أو القرارات" الفاصلة في الموضوع" أي الصادرة عن الجهات القضائية السفلى.هنا كذلك قد نتساءل عن جدوى منع التماس إعادة النظر في قرارات المحكمة العليا دون تمييز.

  قانون الإجراءات المدنية والإدارية أدخل إصلاحات هامة على إجراءات الطعن بالنقض  إذ منح المحكمة العليا، إذا توفرت بعض الشروط، سلطة الفصل في موضوع النزاع أي التصدي والفصل في الدعوى من حيث الوقائع والقانون(م.374 ق.إ.م.إ)  في هذه الحالة فإن المحكمة العليا تصبح بمثابة درجة ثالثة للتقاضي فلا مانع مبدئيا في قبول التماس إعادة النظر في قراراتها الفاصلة في موضوع الدعوى علما أن ذلك لا يتعارض مع تعريف هذا الطعن الوارد في المادة 390 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية والتي تجيزه فقط ضد الأحكام التي تفصل في الموضوع أي حالة قرارات المحكمة العليا الصادرة في إطار المادة 374 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية. ولكن أمام الفراغ القانوني وعدم وجود نص صريح في قانون الإجراءات المدنية والإدارية يجيز هذا الطعن  فإن قرارات المحكمة العليا بما فيها التي تفصل في موضوع النزاع لا تقبل الطعن فيها لا بالتماس إعادة النظر ولا بأي طعن ٱخر.

3-  أسباب التماس إعادة النظر

  المادة 194 من قانون الإجراءات المدنية القديم كانت تنص عن ثمانية  أسباب يبنى عليها التماس إعادة النظر. قانون الإجراءات المدنية والإدارية كما قلنا استجاب للانتقادات التي وجهت لهذا العدد الكبير من الأسباب التي كانت في بعض الحالات تتداخل مع أسباب الطعن بالنقض. القانون الجديد قلص عددها إلى سببين فقط. وأما باقي أسباب الالتماس التي وردت في المادة 194 القديمة، فإنها أصبحت تشكل أوجه للطعن بالنقض.

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أبقى  فقط على سببين نصت عليهما المادة 392 علما أن هذين السببين وردا على سبيل الحصر. وعدم تحديد حالة من هتين الحالتين في عريضة التماس إعادة النظر يؤدي إلى رفض الالتماس (5).

1-3 - الحكم بناء على شهادة شهود أو على وثائق اعترف بتزويرها

   حسب المادة 392/1 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، يمكن تقديم التماس إعادة النظر: " إذا بني الحكم أو القرار أو الأمر على شهادة شهود، أو على وثائق اعترف بتزويرها، أو ثبت قضائيا تزويرها بعد صدور ذلك الحكم أو القرار أو الأمر وحيازته قوة الشيء المقضي فيه ". هذا السبب يتضمن في الواقع سببين مختلفين: بناء الحكم على شهادة شهود مزورة، وبناء الحكم على وثائق اعترف بتزويرها.

نص المادة 392/1 يستلزم توفر بعض الشروط لقبول التماس إعادة النظر المؤسس على شهادة شهود مزورة: يجب أن تكون شهادة الشهود هي أساس الحكم المطعون فيه؛ أن تكون هذه الشهادة قد اعترف بتزويرها أو ثبت قضائيا تزويرها؛ أن يكون اكتشاف التزوير بعد صدور الحكم المطعون فيه؛ أن يكون الحكم المطعون فيه قد حاز قوة الشيء المقضي فيه أي أن يصبح غير قابل  للطعن فيه بالاستئناف أو المعارضة.

في افتراض أن الحكم كان قابلا للاستئناف ثم أصبح نهائيا وحائزا لقوة الشيء المقضي فيه بسبب ترك فوات أجل الاستئناف، فهل يكون هذا الحكم قابلا لالتمس إعادة النظر؟ هناك رأي يأخذ بعدم جواز الطعن على أساس أن المادة 392/1 اشترطت اكتشاف سبب الالتماس بعد حيازة الحكم  لقوة الشيء المقضي فيه وذلك حتى يقطع الطريق أمام الخصم الذي اكتشفه قبل ذلك وترك آجال الطعن بالطرق العادية تنقضي. نعتقد أن المادة 392/1 لا تؤدي هذا المعنى إذ اشترطت فقط أن يكون اكتشاف التزوير " بعد صدور الحكم وحيازته لقوة الشيء المقضي فيه ". و يحوز الحكم قوة الشيء المقضي فيه في حالتين : إذا استنفذت طرق الطعن الموقفة للتنفيذ،  أو إذا انقضى  أجل مباشرة هذه الطرق للطعن .

اشتراط حيازة الحكم لقوة الشيء المقضي فيه يفترض أن الأحكام الفاصلة في الموضوع تكون وحدها قابلة لالتماس إعادة النظر الشيء الذي يقصي الأحكام قبل الفصل في الموضوع. المادة 392/1 تذكر في قائمة الأحكام القابلة لالتماس إعادة النظر "الأمر". يتعلق هنا طبعا بالأمر الاستعجالي وليس بالأمر على عريضة الذي هو أمر ولائي لا يحوز سلطة الشيء المقضي فيه. وحتى بالنسبة للأمر الاستعجالي، فإن الأمر الذي فصل في أصل النزاع دون باقي الأوامر الاستعجالية يكون وحده قابلا لالتماس إعادة النظر (م.300 ق.إ.م.إ). وأما الحكم المختلط أي الذي فصل في جزء من النزاع و أمر باجراء من إجراءات التحقيق، رأينا أنه لا يقبل الاستئناف إلا مع الحكم الفاصل في أصل الدعوى برمتها ومن ثمة فإن الطعن فيه بالتماس إعادة النظر يبقى مؤجلا إلى حين صدور الحكم الفاصل في كل النزاع .

الحالة الثانية التي يجوز فيها  مباشرة الطعن بالتماس إعادة النظر والمنصوص عليها في المادة 392/1 من  قانون الإجراءات المدنية و الإدارية هي الحالة التي يكون فيها الحكم المطعون فيه قد بني على وثائق اعترف بتزويرها. وتطبق على هذه الحالة نفس القواعد المطبق على الشهادة المزورة والتي سبق عرضها. والتزوير في كلتا الحالتين يثبت إما بالاعتراف بالتزوير وإما عن طريق القضاء. لقد اعتبرت المحكمة العليا أن تقديم معلومات غير صحيحة من طرف محامي في عريضته، لا سيما الإشارة إلى عنوان الخصم غير عنوانه الصحيح، وإن كان يشكل غشا أو تدليسا، فإنه لا يشكل تزويرا بمفهوم التزوير المقرر لقبول الطعن بالتماس إعادة النظر (6).

2-3 - إكتشاف أوراق حاسمة كانت محتجزة لدى الخصوم

  حسب المادة 392/2 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية  يمكن تقديم التماس إعادة النظر: " إذا اكتشفت بعد صدور الحكم أو القرار أو الأمر الحائز لقوة الشيء المقضي فيه، أوراق حاسمة في الدعوى، كانت محتجزة عمدا لدى أحد الخصوم ". هنا كذلك يجب أن يكون  الحكم الملتمس إعادة النظر فيه قد حاز قوة الشيء المقضي فيه. يجب كذلك أن يتعلق الأمر بأوراق حاسمة أي بأوراق من شأنها التأثير على مآل الدعوى بحيث يترتب عليها حل معاكس للحل الذي تضمنه الحكم المطعون فيه و مثال ذلك الحالة التي يحكم فيها على طرف بتسديد التزام بسبب عدم تقديم وصل التسديد الذي كان محتجزا لدى خصمه. وتقدير الطابع الحاسم للأوراق من عدمه يدخل في السلطة التقديرية للقاضي.

يجب فضلا على كل ما سبق أن  تكون الأوراق الحاسمة قد احتجزت عمدا  لدى أحد الخصوم   (7)أي بسوء النية. فلو ثبت أن هذه الأوراق احتجزت من طرف الخصم دون عمد وبحسن النية،  فإن التماس إعادة النظر يكون غير مقبولا. ومثال ذلك الأوراق التي احتجزت لدى الخصم عن جهل أو حازها دون علمه. وقد استقر القضاء على أنه يجب أن يكون الطرف في وضعية استحال عليه تقديم الوثيقة الحاسمة واستعمالها. فلو كانت هذه الوثيقة التي أسس عليها الالتماس مودعة في سجلات عمومية كان بوسعه استخراج نسخة منها، كأن يتعلق الأمر مثلا بمقرر إداري مودع بأرشيف البلدية أو بحكم أو قرار قضائي محفوظ بأرشيف الجهة القضائية، فإن الالتماس يكون غير مؤسسا. (8)

 II - إجراءات التماس إعادة النظر في الأحكام

1- - أجل رفع التماس إعادة النظر

 أجل رفع التماس إعادة النظر هو شهرين طبقا للمادة 393 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية. ويسري هذا الأجل من تاريخ ثبوت تزوير شهادة الشاهد،أو ثبوت التزوير، أو تاريخ اكتشاف الوثيقة المحتجزة (م.393 ق.إ.م.إ).

يطبق على أجل التماس إعادة النظر القواعد المشتركة المقررة لكل طرق الطعن (م. من 313 إلى 322)  .

2- أشكال رفع التماس إعادة النظر في الأحكام و إجراءاته

  بما أن التماس إعادة النظر يكون دوما طريقا للمراجعة Voie de rétractation،  فإنه يرفع أمام الجهة القضائية التي أصدرت الحكم المطعون فيه.

يرفع التماس إعادة النظر أمام الجهة القضائية التي أصدرت الحكم أو القرار أو الأمر الملتمس إعادة النظر فيه وفقا للأشكال المقررة لرفع الدعوى بعد استدعاء كل الخصوم قانونا (م.394 ق.إ.م.إ). ولا يقبل التماس إعادة النظر إلا إذا كانت العريضة مرفقة بوصل يثبت إيداع كفالة بأمانة ضبط الجهة  القضائية (م.393 ف.2 ق.إ.م.إ).

المادة 393 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية تنص على أن  الكفالة يجب ألا تقل عن الحد الأقصى للغرامة المنصوص عليها في المادة 397 من نفس القانون، وهذه المادة الأخيرة حددت الحد الأقصى للغرامة بمبلغ عشرين ألف دينار. يفهم من الصيغة التي حررت بها المادة 393 الفقرة 2 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية أن مبلغ العشرين ألف دينار المقرر للكفالة هو الحد الأدنى ومن ثمة فإنه يمكن أن تحدد الكفالة بمبلغ يفوق عشرون ألف دينار. ولكن في هذه الحالة كيف يتم تحديدها ومن طرف أي جهة؟ لا يمكن طبعا إسناد إجراء تحديد الكفالة لأمين الضبط  المكلف بتسجيل الدعاوى ولكن يجب أن يكون ذلك من اختصاص القاضي. في الواقع فإن ما أقرته المادة 393 بالنسبة لمبلغ الكفالة هو غير منطقي وليس له أي فائدة، بل بالعكس  فإنه يعقد إجراءات التداعي، فيما أن المعتاد في مثل هذه المواد أن يحدد المشرع مبلغا ثابتا على غرار ما هو مقرر بالنسبة لرسم رفع الدعوى أو مباشرة طرق الطعن.

نعتقد أن الصيغة التي حررت بها المادة 393 الفقرة 2 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية لا تعكس نية المشرع وأنها مشوبة بخطأ غير عمدي، لأنه لو كان مراد المشرع  النص على إخضاع تحديد الكفالة للسلطة التقديري للجهة القضائية في حدود مبلغ أدنى لا يقل عن عشرين ألف دينار،  لقرر قواعد إضافية توضح الجهة المختصة لتحديد نصاب الكفالة وإجراءاته. وما يدعم هذا الطرح أن النص الفرنسي لنفس المادة ورد في الصيغة الصحيحة إذ حدد مبلغ  الكفالة بمبلغ  " يساوي" الحد الأقصى équivalent  للغرامة المنصوص عليها في المادة 397 أي مبلغ عشرون ألف دينار. هذا وأنه بالنسبة لمبلغ الكفالة المقرر للطعن باعتراض الغير الخارج عن الخصومة، فإن المادة 385 الفقرة 2 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية وردت في الصيغة الصحيحة إذ حددت مبلغ الكفالة بمبلغ " يساوي" مبلغ الغرامة المحددة في حالة رفض هذا الطعن أي عشرون ألف دينار. لا يوجد أي سبب أو مبرر من شأنه حمل المشرع على إقرار مبلغ للكفالة لمباشرة الطعن بالتماس إعادة النظر يختلف عن المبلغ المقرر للطعن باعتراض الغير الخارج عن الخصومة.

ويعفى من استفاد بالمساعدة القضائية من إجراء إيداع مبلغ الكفالة (م.13 من الأمر المؤرخ في 5 غشت 1971 المتعلق بالمساعدة القضائية). ليس لالتماس إعادة النظر في الأحكام ولا لأجل ممارسته أثر موقف (م.348 ق.إ.م.إ). كما  أنه ليس لالتماس إعادة النظر أثر ناقل، لأنه يرمي إلى مراجعة الحكم المطعون فيه.

قد تقتصر المراجعة في التماس إعادة النظر على مقتضيات الحكم أو القرار أو الأمر التي تبرر هذه المراجعة ، ما لم توجد مقتضيات أخرى مرتبطة بها (م.395 ق.إ.م.إ). ويترتب عن مراجعة الحكم المطعون فيه بالتماس إعادة النظر الإلغاء بالنتيجة لكل حكم صدر بعد الحكم محل المراجعة جاء تطبيقا أو تنفيذا له وكان له ارتباط ضروري به. ولا يجوز تقديم التماس إعادة النظر من جديد في الحكم أو القرار أو الأمر الفاصل في الالتماس (م.396ق.إ.م.إ).

قد تقع الحالة التي يكشف فيها المدعي سبب ٱخر من أسباب التماس إعادة النظر بعد صدور الحكم الأول الفاصل في الالتماس، فهل يجوز رفع التماس إعادة النظر ثانية ضد الحكم الذي سبق وأن طعن فيه بالتماس إعادة النظر؟ قانون الإجراءات المدنية والإدارية لم ينص عن هذه الحالة والمادة 396 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية منعت فقط  تقديم طعن جديد ضد الحكم الفاصل في الالتماس. لذلك نعتقد أنه لا يوجد مانع قانوني لجواز طعن ثان بالتماس إعادة النظر ضد نفس الحكم الذي سبق أن مر على طريق الالتماس إذا كان السبب المحتج به لم يكشفه المدعي إلا بعد صدور الحكم الأول الفاصل في الالتماس.

بالنسبة للطرق الطعن الجائزة  في الأحكام الصادر في دعوى التماس إعادة النظر، لا سيما الاستئناف، فإن قانون الإجراءات المدنية والإدارية لم يمدد القاعدة التي أقرها لاعتراض الغير الخارج عن الخصومة، والتي مفادها أنه يجوز الطعن في الحكم الصادر في اعتراض الغير الخارج عن الخصومة بنفس طرق الطعن المقررة للأحكام (م.389 ق.إ.م.إ). فهل أن هذا الإغفال يفسر على أن المشرع أراد منع طرق الطعن في الحكم الفاصل في التماس إعادة النظر؟ لا نعتقد ذلك. كما قلنا فإن الحكم الصادر في دعوى التماس إعادة النظر يرمي إلى مراجعة الحكم المطعون فيه وذلك للفصل فيه من جديد من حيث الوقائع والقانون (م.390 ق.إ.م.إ)، ومن ثمة فلا يمكن تصور عدم إخضاعه لطرق الطعن مثله مثل الحكم الفاصل في اعتراض الغير الخارج عن الخصومة.

يجوز الحكم على الملتمس الذي خسر الدعوى بغرامة مدنية من عشرة ألف دينار إلى عشرين ألف دينار دون الإخلال بالتعويضات التي قد يطالب بها (م.397 ف.1 ق.إ.م.إ)، وفي هذه الحالة فإنه يقضي بعدم استرداد مبلغ الكفالة (م.397 ف.2 ق.إ.م.إ).

 

الهوامش

 

 

 القرارات  الــمشار إليها في الهوامش صدرت عـن المحكمة العليا و نشرت إما في المجــلات الــقديــمة ( نشرة القضاة - ن.ق-  ، مجلة الاجتهاد   القضائي - إ.ق.- ، النشرة السنوية للعدالة – ن.س.ع.- ، مجموعة الأحكام للمحكمة العليا – م.أ.- ) وإما في المجلات الحالية ( مجلة المحكمة العليا – م.م.ع. ، المجلة القضائية – م.ق. ، نشرة القضاة – ن.ق. -).

مثال : غ.إ.، 9 يوليو 1990، ملف رقم 58530، م.ق. 111.3.1993 معناه : قرار صادر عن الغرفة الإجتماعية للمحكمة العليا مؤرخ في 9 يوليو 1990 ، ملف رقم 58530 ، المنشور بالمجلة القضائية الصادرة عن المحكمة العليا لسنة 1993 العدد 3 ،  الصفحة 111.

غ.إ. =الغرفة الاجتماعية

غ.ت.ب. = الغرفة التجارية و البحرية

 غ.غ. = الغرفة العقارية

غ.م. = الغرفة المدنية

ق.إ.م. = قانون الإجراءات المدنية

ق.إ.م.إ. = قانون الإجراءات المدنية و الإدارية

 

 

(1) من عناصر التمييز الأخرى بين الاستئناف والتماس إعادة النظر في الأحكام أن الأول يعد طريق من طرق الطعن العادين فيما أن الثاني هو طريق من طرق الطعن غير العادية؛ الأول يفترض حكم من الدرجة الأولى والثاني حكم غير قابل للمعارضة أو للاستئناف؛ يقبل الاستئناف بدون قيد أو شرط في حين أن أسباب التماس إعادة النظر حددها القانون حصريا؛ للاستئناف أثر موقف خلافا لالتماس إعادة النظر الذي ليس له أثر موقف.

2))غ.إ.، 9 يوليو 1990، ملف رقم 58530، م.ق. 111.3.1993 (الطابع المؤقت للقرارات الاستعجالية تجعلها غير قابلة لالتماس إعادة النظر)؛ 13 فبراير 2001، ملف رقم 257682، م.ق.211.1.202 (لا يجوز التماس إعادة النظر في الأحكام والقرارات الاستعجالية التي لا تتصف بالطابع القطعي).

(3) غ.ع.2، 16 نوفمبر 2005، ملف رقم 306867. ن.ق.343.61 (لا يقبل التماس إعادة النظر ضد الأحكام الابتدائية ما لم تصدر هذه الأخيرة نهائيا؛ غ.إ.، 9 يوليو 1990، ملف رقم 58530، م.ق.111.3.1993 (القرارات التي لا تكتسي طابعا نهائيا تكون غير قابلة لالتماس إعادة النظر)؛ غ.إ.، 16 مارس 2004، ملف رقم 313965، م.ق.141.1.2004 (التماس إعادة النظر هو طريق غير عادي للطعن في الأحكام النهائية)

(4) Civ.1e 9 février 1977, pourvoi n°74-15067, Bull. n°76 (Il n’y a pas lieu de statuer sur le pourvoi formé contre un arrêt qui a été rétracté par la cour d’appel sur la requête civile du demandeur); Civ. 3e,16 avril 1973, Bull. 1973, n°301 (La rétractation rend sans objet le maintien du pourvoi en cassation formé parallèlement contre la décision attaquée au cas où le recours en révision  est jugé. La nouvelle décision se substitue au jugement attaqué

(5) غ.ت.ب، 15 فبراير 1987، ملف رقم 37731، ن.ق.149.44.1990.

6) غ.م.1، 24 فبراير 192، ملف رقم 190066، م.ق. 23.1.1983.

(7) غ.أ.ش.، 5 فبراير 1990، ملف رقم 56184، م.ق. 483.1994 (إن قضاة المجلس بقبولهم التماس إعادة النظر بناء على وثيقة لم تكن محتجزة لدى الخصم فإنهم أعطوا تفسيرا خاطئا للقانون).

(8) غ.ت.ب.، 5 أكتوبر 1985، ملف رقم 37577، م.ق. 100.2.1990 (من المقرر أن كل طرف في الدعوى يمكنه الحصول على نسخة من الحكم أو القرار الصادر في هذه الدعوى من كتابة الضبط الجهة القضائية التي أصدرته، ومن ثمة فإن تذرع الطرف الملتمس لإعادة النظر بعدم تمكنه من تقديم قرار المجلس القضائي باعتبار أنه كان محتجز لدى خصمه هو تذرع غير سديد).

 

 

 

تساؤلات حول تأسيس طعن الإدارة ضد التنازل عن أسهم مجمّع الخبر

أشار بيان صحفي صادر عن جريدة الخبر بتاريخ 27 أفريل أنه تم تكليف ممثلها  القانوني   للحضور أمام قاضي الأمور المستعجلة  لدى المحكمة الإدارية لبئر مراد رايس بهدف، حسب ما جاء في نص البيان، " إلغاء اتفاقية بيع الشركة ذات الأسهم  الخبر لصالح ايسعد ربراب لعدم مطابقتها للقانون" ، وقد سلم هذا التكليف بالحضور بطلب  من   وزارة الاتصال بصفتها مدعية في الدعوى وللجلسة المحددة  لتاريخ 02 ماي 2016، كما أبلغ نفس المدعى عليه بتكليف بالحضور آخر  بنفس الموضوع و لكن أمام قاضي الموضوع لنفس المحكمة.

إنه لأول مرة يطرح هذا النوع من المنازعات  التي تخص  صفقة أو معاملة تجارية مرتبطة بتنازل عن أصول جهاز إعلامي  يخضع للقانون الجديد للإعلام، والذي يتم عرضه على المحكمة. هذا النزاع الفريد من نوعه سينشئ اجتهادا قضائيا  كونه يثير مسائل قانونية  لم يسبق الفصل فيها ، و سيتعين على القاضي، “ يتعلق الأمر هنا بقاضي المحكمة الإدارية”، أن يفصل فيه في ظل غياب القواعد الإجرائية الواضحة والدقيقة التي تحكم مثل هذه المنازعات.
    
تتلخص القضية  استنادا إلى ما تم تداوله في وسائل الإعلام والصحافة بمشروع تنازل  عن أسهم من قبل الشركة ذات الأسهم الخبر  لفائدة فرع مجمع سيفيتال " نيس برود " ، التي يمتلكها رجل الأعمال   ايسعد ربراب . بعد ما تم ترسيم الصفقة بعقد توثيقي  وإيداع هذا العقد  بالنشرة الرسمية للإعلانات القانونية، قررت وزارة الاتصال الاعتراض على عملية التنازل مبررة ذلك ببطلان  هذه الصفقة لعدم مطابقتها  لأحكام المادة 25 من قانون الإعلام ، فضلا عن أحكام المادتين 16 و17 من نفس القانون فقررت على ضوء ذلك رفع دعويين قضائيتين :  الأولى رفعت مستعجلا  أمام  قاضي الأمور المستعجلة  لدى المحكمة الإدارية لبئر مراد رايس، الذي سينظر فيها بتاريخ 02 ماي 2016، والثانية أمام قاضي الموضوع لنفس المحكمة  الإدارية  و التي سيتم النظر فيها لاحقا.

هل يمكن للدعويين اللتين رفعهما وزير الاتصال، لاسيما تلك التي أودعت أمام القضاء المستعجل ، أن تحققا مبتغاهما، بالنظر إلى  الوسائل  و الدفوع   المحتج بها ؟


بداية، وسواء تعلق الأمر بالدعوى التي رفعت أمام قاضي الاستعجال الإداري، أو تلك التي رفعت أمام قاضي الموضوع، فإن السؤال قائم حول صفة وزير الاتصال، ومدى الصلاحيات المخولة له لرفع دعوى أمام القاضي في مثل هذا النزاع الذي يتصل في بعض من قواعده لإجراءات خاصة يحكمها قانون الإعلام . في كل الخصومات  القضائية ،  لا تكون الدعوى مقبولة من حيث الشكل إلا إذا  كان المدعى حائزا لصفة التقاضي  ( المادة 13 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية ). قانون الإعلام و  بالنظر إلى خصوصية القواعد المرتبطة بممارسة الحق في الإعلام وحرية الصحافة أنشأ هيئات خاصة مكلفة بمراقبة وضبط نشاط وسائل الإعلام :  " سلطة ضبط الصحافة المكتوبة "  و " سلطة ضبط السمعي البصري. يرجع لهتين الهيئتين اللتين تتمتعان بالشخصية المعنوية والاستقلالية المالية وليس لوزارة الاتصال مهمة السهر على احترام الصحف و أجهزة الإعلام الأخرى لأحكام قانون الإعلام، بما في ذلك احترام المادة 25 من هذا  قانون التي تم الاستناد عليها لرفع الدعويين أمام قاضي الاستعجال و قاضي الموضوع  (المادتان 40 و64 من قانون الإعلام) . من جهة أخرى  فإن الأمر  يتعلق بعملية تنازل عن " أسهم " من شركة  تجارية  إلى شركة تجارية أخرى، ولا يتعلق الأمر ببيع صحيفة لشخص  طبيعي ، أي أن العملية تخضع للقانون التجاري  لا سيما لأحكام  المواد 715 مكرر 40 إلى  المادة 715 مكرر 60.


لذلك يمكننا القول  سواء من وجهة نظر القانون أو من وجهة نظر الإجراءات   أن  وزير الاتصال لا يحوز الصفة لرفع دعوى قضائية بغرض  إبطال قرار اتخذ من  قبل  جهاز إعلام خاصة إن  كان الأمر يتعلق بشركة ذات أسهم.يعود لسلطة الضبط البت  في  صحة  وقانونية عملية التنازل سواء عن طريق الإخطار أو الإخطار الذاتي، ويعود لهذه الهيئة في حالة الضرورة أن ترفع القضية أمام الجهة القضائية  المختصة، مع العلم  أن  سلطة الضبط  هي هيئة تتمتع بالشخصية المعنوية، أي أن لها صفة التقاضي.

صحيح أن  أحكام قانون الإعلام التي تؤطر تنظيم وسير سلطة الضبط  ( المواد 40 إلى 57 و64 و66 )  لا تنص صراحة  أن هذه الهيئة هي المؤهلة  لرفع الدعوى أمام الجهات القضائية  في حالة خرق أحكام قانون الإعلام  و لكن المادة 42 من نفس القانون تنص صراحة على أن توصيات وملاحظات  سلطة الضبط  توجه إلى  جهاز الإعلام وأنها هي التي تحدد  الشروط  والمدة المحددة  لتنفيذ هذه التوصيات ، مما يفهم منه  بالضرورة، بأنه في حالة عدم الامتثال من قبل  جهازالإعلام ، يتم إلزام أو إجبار هذا الأخير بكافة  الطرق  القانونية بما في ذلك اللجوء إلى العدالة للانصياع إلى قراراتها . كان من المفروض  تدقيق إجراءات  إخطار الجهات القضائية  من قبل سلطة الضبط  بنصوص تنظيمية تطبيقا لأحكام  المادتين  45 و65 من قانون الإعلام، ولكن هذه النصوص لم تنشر بعد.

  التطبيق  الصحيح  لقانون الإعلام  يلزم  قاضي المحكمة الإدارية، سواء قاضي الاستعجال أو قاضي الموضوع  المرفوع أمامهما  طلب إبطال عملية  التنازل عن الأسهم  ، بالتصريح بعدم قبول دعوى وزير الاتصال لانعدام الصفة  مع إحالة  المدعي إلى إخطار سلطة الضبط  . قد يدفع  بأنه و  أمام الفراغ القانوني، يتعين أن تتحرك سلطة ما، على غرار وزارة الاتصال، لوضع حد لخروقات  القانون المدعى بها كخرق المادة 25 من قانون الإعلام . في هذه الحالة، ونظرا لغياب نصوص واضحة ترخص وزير  الاتصال بإبطال عملية التنازل عن جهاز إعلام   ، من تلقاء نفسه أو  عن طريق القضاء ،  كان على وزارة الإعلام  التقيد بصلاحياتها و اختصاصاتها المقررة لها قانونا و عدم تجاوزها أو خرقها. في القضية التي نحن يصددها لا يمكن لوزير الاتصال سوى سحب الاعتماد من  الجهاز  محل التنازل  إذا اعتبر أن هذا التنازل باطل على أن  يتم هذا السحب بقرار كتابي و مسبب  قابل للطعن فيه أمام القضاء الإداري يبلغ لمن  له مصلحة . و إما  رفع د عوى مباشرة  أمام المحكمة الإدارية   لإبطال أو  تعليق  معاملة  تجارية   يحكمها القانون التجاري، فإن ذلك يعني جهلا للقانون وتعسفا في استعمال السلطة.

بخصوص الدعوى التي رفعت  أمام  قاضي الأمور المستعجلة ، فإن البلاغ  الصادر عن  يومية " الخبر"  يشير إلى طلب " إبطال  اتفاقية  بيع  شركة ذات الأسهم الخبر إلى ايسعد ربراب ".إذا كان موضوع  عريضة افتتاح الدعوى  يتضمن  فعلا هذا الطلب  فلا شك أن  قاضي المحكمة الإدارية  سيصدر في أول جلسة قرارا بعدم الاختصاص و ذلك بمجرد قراءة هذه العريضة و دون  الخوض في   الوسائل و الحجج في الموضوع  التي قد  يثيرها وزير الاتصال. من المبادئ الأساسية التي يخضع لها القضاء المستعجل سواء الإداري أو المدني  أن قاضي الأمور المستعجلة  لا يبت إلا في الطلبات  التي لا تمس الموضوع  و هذا المبدأ كرسه قضاء المحكمة العليا و مجلس الدولة في عدة مناسبات . وبما أن طلب " إبطال  اتفاقية بيع  شركة ذات الأسهم الخبر إلى ايسعد ربراب " هو طلب يمس بالموضوع  و بأصل الحق  فإنه  لا  يدخل في اختصاص قاضي الاستعجال . الدعوى الوحيدة التي يمكن أن تكون مقبولة في مثل هذا النزاع  أمام قاضي الاستعجال  هي دعوى وقف التنفيذ  المنصوص عليها في المادة 919 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  أي  الدعوى التي  يطلب فيها من القاضي  لا  إبطال العقد  ( في قضية الحال إبطال  اتفاقية بيع الأسهم) و لكن فقط  تعليقه مؤقتا، في انتظار صدور حكم في القضية الرئيسية التي ينظر فيها قاضي الموضوع.

وحتى في هذه الحالة ، فإن القاضي الإداري للمحكمة الإدارية سيجد نفسه أمام معضلة قانونية كون  طلب  وقف التنفيذ  على غرار طلب الإبطال  لا يخص قرار  إداري ، ولكن الأمر يتعلق " بعملية تنازل لأسهم شركة مغفلة  لفائدة شركة أخرى “   أي أن الأمر يتعلق بعملية تجارية محضة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعتبر بمثابة عقد إداري .صحيح أن اختصاص المحاكم الإدارية يرتكز على  المعيار العضوي، أي أن القاضي الإداري يكون مختصا طالما أن أحد أطراف الدعوى  هي هيئة ذات  طابع إداري وهو حال وزارة الاتصال المدعية في الدعوى الاستعجالية . ولكن هل أن قاضي الاستعجال الإداري   مختص فعلا  لاتخاذ  قرار وقف التنفيذ ثم قرار إبطال  عملية تجارية بين شركات خاصة، تم ترسيمها بعقد  توثيقي؟ بالتأكيد لا، لأن ذلك سيشكل تجاوزا للسلطة  بمفهوم  القضاء الإداري. كون  النزاع المثار  له علاقة من جهة بقواعد القانون التجاري، ومن جهة أخرى  بإجراءات  إنشاء و سير والتنازل عن  النشريات  و الأجهزة الإعلامية  السمعية البصرية المنصوص عليها في قانون الإعلام  فإنه لا يمكن لوزير الإعلام أن يتدخل إلا بواسطة قرارات إدارية مطابقة مع صلاحياته القانونية، أي كما  سبق  الإشارة إلى ذلك، رفض أو سحب الاعتمادات  لأجهزة الإعلام  التي يشتبه في أنها خرقت القانون.

لنعد الآن  إلى الأسس التي استندت إليها الدعويان المرفوعتان من قبل وزير الاتصال، وهي المواد 16 ، 17 و 25 من قانون الإعلام . المادة 25 تنص على ما يلي: "  يمكن نفس الشخص المعنوي  الخاضع للقانون الجزائري أن يملك أو يراقب أو يسير نشرية واحدة فقط للإعلام العام تصدر بالجزائر بنفس الدورية ". المعاملة  محل النزاع لا تتعلق " ببيع " بمعنى  المعتاد  للكلمة ولكن " بتنازل عن  أسهم  "شركة  الخبر  التي تشمل إلى جانب  اليومية التي تحمل نفس التسمية القناة التلفزيونية  "كاي بي سي" ، لفائدة شركة أخرى المسماة  “ نيس برود”، وهي فرع لمجمع سيفيتال . ما يعاب على  المتنازل له  الممثل في شخص ايسعد ربراب امتلاكه ليومية أخرى ويتعلق الأمر بيومية “ليبرتي”.

  لا يمكن في أي  حال من الأحوال تطبيق المادة 25  من قانون الإعلام و ذلك   للأسباب التالية :

بداية إذا كانت المادة 25 من قانون الإعلام   لا تسمح بحيازة سوى نشرية  إعلامية واحدة ، ويمنع بالتالي حيازة نشرية أخرى بنفس الدورية فعلى شرط أن يتعلق الأمر بنفس الشخص المعنوي . عكسيا  فإن هذا النص لا ينطبق  في حالة ما إذا كان   الشخص المعنوي  المتناول له  ليس نفس الشخص المعنوي الذي  يحوز نشرية  بنفس الدورية . في  قضية الحال فإن أسهم  شركة الخبر  تم التنازل عنها لفائدة شركة " نيس برود" التي  لها  الشخصية المعنوية. كون هذه الشركة الأخيرة لها شخصية معنوية  ذاتية  فلا يجب خلطها مع باقي فروع   مجمع سيفيتال  التي لها هي كذلك  شخصيات معنوية مستقلة. لتطبيق المادة 25 يتعين على القاضي الإداري مراقبة ما   إذا كان  مشتري  أسهم  مجمع “الخبر” التي تنتمي إليها جريدة الخبر  أي  شركة " نيس برود"  هو نفسه  الشخص المعنوي الذي   يملك   جريدة  “ ليبرتي.  هذه الجريدة الأخيرة  هي ملك  لشركة أخرى  لها الشخصية المعنوية  و هي  الشركة الجزائرية للنشر والاتصال. كون شركة " نيس برود " و " الشركة الجزائرية للنشر والاتصال" يتمتعان بشخصية معنوية مختلفة و متباينة،فلا  مجال إذن لتطبيق المادة 25  و بالنتيجة فإن  طلب تعليق و إبطال  عقد التنازل عن الأسهم  يكون غير  مؤسسا . كل قرار يقضي بغير   ذلك سيكون غريبا و غير مفهوما.

في الواقع  فإن الأمر لا  يتعلق   بعملية تنازل عن نشرية دورية فقط ، بل بتنازل عن حصص شركة ذات أسهم تتكون من  جريدة الخبر  و قناة تلفزيونية . المادة  25 من قانون الإعلام  تتكلم فقط عن   النشريات الدورية فلا يجب توسيع تطبيقها على وسائل الإعلام السمعية البصرية. إذا  اتبع  منطق   وزارة الاتصال في طلبها بإبطال عملية التنازل و تمت الاستجابة لهذا الطلب  بصدور حكم يقضي بوقف  تنفيذ عملية البيع ثم إبطالها  فإن هذا القرار سيكون له  تداعيات وانعكاسات على باقي الأصول محل التنازل، لاسيما  القناة التلفزيونية والمطابع ووسائل التوزيع التي تعد جزءا من أصول شركة الخبر   فيما أن النصوص القانونية المحتج بها  دعما  لهذا الطلب  لا تخص سوى النشريات  الدورية. من جهة أخرى   ما هو  مصير الأسهم التي اقتناها  الشركاء الجدد بعد أن  دفع  هؤلاء قيمة   الأسهم المتنازل عليها ، وهو ما قد يكون قد تم فعلا كون عملية التنازل عن الأسهم  تمت ترسيمها بعقد توثيقي  و نشرت في  النشرة الرسمية للإعلانات القانونية.

  المادة  16 من قانون الإعلام تنص فيما يخصها    على أن " الاعتماد غير قابل للتنازل   بأي شكل من الأشكال " . هذه المادة  أيضا غير قابلة للتطبيق في  هذه القضية  لأن الأمر يتعلق ببساطة بتعديل القانون الأساسي لشركة الخبر عن طريق تحويل جزء من أسهمها إلى شركاء آخرين  فيما أن الاعتماد لم يطرأ عليه أي تغيير أو تحويل. حتى في افتراض  أن الأمر يتعلق بتنازل عن الاعتماد  بمفهوم المادة 16، فإن الإجراء الوحيد الذي يمكن لوزارة الاتصال أن تتخذه هو إصدار  قرار   بسحب الاعتماد. و أما بالنسبة للدعويين المرفوعتين في الاستعجال و في الموضوع  الراميتين إلى  إبطال عقد التنازل  فإنهما لا تستندان إلى أي أساس.

أخيرا وبالنسبة للمادة 17، التي تنص  على أنه  " في حالة بيع  النشرية الدورية أو التنازل عنها  ، يجب  على المالك الجديد طلب الاعتماد ”، فإن نفس الملاحظات تنطبق على هذه المادة. في كل الأحوال فإن  سحب الاعتماد أو منحه للمالك الجديد لا يدخل في    صلاحيات وزارة الاتصال  ولكنه من صلاحيات   سلطة الضبط طبقا لأحكام  المادتين 13 و14 من قانون الإعلام.

الخلاصة  أن التفسير الدقيق والصارم للمواد 16 و17 و25 من قانون الإعلام  التي استندت  عليها وزارة الاتصال  لتسبيب  طلبها  المرفوع أمام المحكمة الإدارية   و الرامي  إلى  إبطال عقد التنازل عن أسهم مجمع شركة الخبر  سيؤدي لا محالة إلى صدور حكم  بعدم قبول  الدعوى أو برفضها لعدم التأسيس  سواء بالنسبة للدعوى  الاستعجالية أو الدعوى المرفوعة في الموضوع  .في هذه القضية، فإن السلطات المكلفة بالاتصال أوقعت نفسها في مأزق  بعد أن أخّرت إصدار النصوص التنظيمية التي تؤطر سير و اختصاصات  سلطة الضبط ،  وأمام هذا الفراغ القانوني، فإن القاضي سيأبى مسايرة وسائل و حجج الإدارة خاصة  وأن الأمر يتعلق بحماية حريتين أساسيتين كرسهما  التعديل الدستوري الجديد: حرية الصحافة وحرية الاستثمار و التجارة ( المادتين 43 و 50 من الدستور).


 

Aucune note. Soyez le premier à attribuer une note !

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

Date de dernière mise à jour : 10/05/2016

×