( قراءة نقدية لأحكام قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد ( الجزء الأول

 

شهد النظام القضائي الجزائري إصلاحين جوهريين : الأول كرس مبدأ ازدواجية القضاء ، و قد وقع هذا التغيير بموجب دستور 1996 الذي أنشأ مجلسا للدولة كهيئة مقومة لأعمال الجهات القضائية الإدارية ، و أما الإصلاح الثاني فإنه وقع بموجب القانون رقم 08/09 المؤرخ في 25/02/2008 المتضمن قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.

إذا كان التخلي عن مبدأ وحدة القضاء و الرجوع إلى مبدأ ازدواجية الجهات القضائية لم يؤثر على الإجراءات المدنية ، فإن القانون الجديد المتضمن الإجراءات المدنية و الإدارية أدخل تعديلات جوهرية و ذات أهمية بمكان على كل جوانب الإجراءات. و من ميزات القانون الجديد أنه نزع الغموض الذي كان سائدا في بعض الإجراءات التي كان يتضمنها قانون الإجراءات المدنية القديم. و حرص المشرع على تدقيق إجراءات التداعي انعكس على حجم النصوص الواردة في القانون الجديد التي بلغت 799 مادة إذا نزعنا المواد االمخصصة للإجراءات المتبعة أمام الجهات القضائية الإدارية ، في حين أن قانون الإجراءات المدنية القديم لم يكن يتضمن سوى 479 مادة بما فيها المواد المخصصة للإجراءات أمام القضاء الإداري.

إلى جانب هذين الاصلاحين الهامين اللذان طرءا على النظام القضائي الجزائري ، فلقد صدرت قوانين أخرى لا تقل أهمية ، و نذكر منها القانون العضوي رقم 05-11 المؤرخ في 17/07/2005 المتعلق بالتنظيم القضائي ،و القانون العضوي رقم 04-11 المؤرخ في 06/09/2004 المتضمن القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء، و القانون العضوي رقم 11-12 بتاريخ 26/07/2011 المتعلق بصلاحيات المحكمة العليا و تنظيمها و سيرها.

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد الذي هو موضوع هذه الدراسة و إن كان حقا قد نزع اللبس و الغموض عن بعض الإجراءات فإنه لم يخلو هو كذلك من بعض النقائص و الثغرات قد يكون لها تأثيرا على حسن سير الخصومات القضائية .إن هذا الفراغ ليس له مبرر خاصة و أن قانون الإجراءات المدنية و الإدارية صدر بعد تنصيب لجنة كلفت بإعداده مكونة من مختصين في القانون و كذا من قضاة سامين و بعد إثراء دام قرابة ثمانية سنوات. سنرى أن الإشكالات التي تثيرها بعض أحكام هذا القانون تستوجب تعديلات و تصحيحات في جوانب عدة.

دافع هذه الدراسة ليس فحص كل الأحكام ذات صلة بالإجراءات المدنية و لكن ستقتصر على معاينة الأخطاء و النقائص المتصلة بهذا القانون و صعوبات تطبيقه في أمل أن تعكف الجهات المختصة في معالجة هذه العيوب التي أظهرت الممارسة القضائية أثرها السلبي على حسن سير الخصومات القضائية.

سنتطرق للأحكام التي تثير إشكالات و صعوبات تطبيقية حسب ترتيب المواد في قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ( ق.إ.م.إ.).

 لمادة 12 من ق.إ.م.إ. - سلطات القاضي في حالة الإخلال بالاحترام الواجب للعدالة

حسب المادة 12 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية :" يلتزم الأطراف بالهدوء أثناء الجلسة و أن يراعوا الوقار الواجب للعدالة ". و إما المادة 262 من نفس القانون فإنها تنص على أن: " ضبط الجلسة منوط لرئيسها ، لضمان الهدوء و الرصانة و الوقار الواجب لهيئة المحكمة ". الملفت للانتباه أن قانون الإجراءات المدنية و الإدارية لم يكمل هذه المبادئ بأحكام تضمن تطبيقها كما كان عليه الحال في قانون الإجراءات المدنية القديم الذي منح القاضي ،في حالة الإخلال بالجلسة ، سلطة تسليط غرامات مدنية على المتسبب في هذا الإخلال ، أو إخراجه من قاعة الجلسات ، بل يمكنه حتى الحكم على الشخص بالحبس لمدة ثمانية أيام في حالة الإهانة ( المادة21 من قانون الإجراءات المدنية القديم).

في ظل القانون الجديد فإنه يمكن فقط للقاضي طرد المعني من الجلسة و لا يجوز له حبسه إلا في حالة الاهانة أو ارتكاب مخالفة بالجلسة و حتى في هذه الحالة الأخيرة فإن دور القاضي سيقتصر على تحرير محضر عن المخالفة و إحالة المخالف على النيابة العامة.

المادة 17 من ق.إ.م.إ. - حالات وجوب إشهار عريضة افتتاح الدعوى

إذا كان النزاع المطروح أمام المحكمة يتعلق بعقار أو حق عيني عقاري مشهر ،يجب حسب المادة 17-3 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، إشهار عريضة افتتاح الدعوى لدى المحافظة العقارية ،و ذلك تحت طائلة عدم قبول الدعوى شكلا. هذا الإجراء كان معمول به كذلك في التشريع القديم.لا يكفي إشهار عريضة افتتاح الدعوى لدى المحافظة العقارية ( مصلحة الشهر العقاري) ،و لكن يجب إثبات استفاء هذا الإجراء ، و ذلك إما بتقديم نسخة من عريضة افتتاح الدعوى التي سبق إيداعها بأمانة الضبط تكون ممهورة ببيان الإشهار ، وإما بتقديم شهادة إدارية تثبت استفاء هذا الإجراء.وحسب المادة 17 المذكورة ،فإن العريضة المشهرة تقدم في أول جلسة ينادى فيها على القضية .

تطبيق المادة 17-3 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية يثير إشكالا نظرا للصيغة التي حررت بها هذه المادة. النص يلزم إشهار عريضة افتتاح الدعوى إذا تعلق الأمر بدعوى تخص " عقار أو حق عيني عقاري مشهر". فهل يتعلق الأمر بكل قضية يكون موضوعها عقار أو حق عيني عقاري مشهر، بغض النظر عن نوعها ؟ فمثلا هل تدخل في نطاق هذا النص الدعوى التي ترمي إلى استرداد عقار مشهر مغتصب،أو كذلك الدعوى الشخصية العقارية التي ترمي إلى طلب التعويض عن التعدي على عقار مشهر؟

في ظل التشريع القديم لا سيما المادة 85 من المرسوم رقم 76-63 المؤرخ في 25 مارس 1976 المتعلق بتأسيس السجل العقاري ، فإن المشرع أقر كذلك مبدأ إشهار عريضة افتتاح الدعوى ، و لكن فقط بالنسبة للدعاوى الرامية إلى النطق بفسخ أو إبطال أو إلغاء أو نقض حقوق ناتجة عن وثائق تم إشهارها مسبقا. فهل تخلى محرري قانون الإجراءات المدنية و الإدارية عن القاعدة القديمة الواردة في المادة 85 من المرسوم رقم 76-63 ،و عوضوها بقاعدة مماثلة مددت إلى كل الدعاوى العقارية والعينية العقارية دون تمييز؟ تقليديا و حتى في القانون المقارن فإن إجراء إشهار الدعاوى القضائية لا يخص كل القضايا العقارية أو العينية العقارية ، و لكن قرر فقط للدعاوى القضائية الرامية إلى فسخ أو إبطال أو إلغاء أو تعديل أو نقض حقوق قائمة على عقود تم شهرها.

في الواقع فإن موقف محرري قانون الإجراءات المدنية و الإدارية من هذه المسألة لم يظهر بوضوح بل هو موقف متردد لأن عند تطرق هذا القانون إلى الخصومة أمام القسم العقاري، المختص وحده في النظر في الدعاوى التي فرض القانون شهرها، فإن المادة 519 لم تكرر الصيغة التي وردت في المادة 17-3 بل تضمنت نصا مماثلا للمادة 85 من المرسوم رقم 76-63 ، التي فرضت إجراء الشهر فقط بالنسبة للدعاوى الرامية إلى النطق بفسخ أو إبطال أو إلغاء أو نقض حقوق ناتجة عن وثائق تم شهرها مسبقا إذ جاء فيها : " ترفع الدعوى أمام القسم العقاري و ينظر فيها حسب الإجراءات الواردة في هذا القانون ، مع مراعاة الأحكام الخاصة بشهر دعاوى الفسخ أو الإبطال أو التعديل أو نقض حقوق قائمة على عقود تم شهرها ".

يتبين إذا أنه يوجد اختلاف بين المادة 17-3 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي تفرض إجراء الشهر بالنسبة لكل الدعاوى العقارية و العينية العقارية دون تمييز، و المادة 519 من نفس القانون التي تحصر هذا الإجراء في حدود الدعاوى العقارية الرامية إلى الفسخ أو الإبطال أو التعديل أو نقض حقوق قائمة على عقود تم شهرها. فأي من المادتين يجب تطبيقها ؟ نعتقد أن ما نصت عليه المادة 519 هو الصواب لأن الدعاوى المحددة في هذه المادة هي وحدها من طبيعتها التأثير على فحوى العقد المشهر بخلاف الدعاوى الأخرى.

المحكمة العليا و في ظل المادة 85 من المرسوم رقم 76-63 تطرقت إلى إشكالية نوع الدعاوى التي يجب شهرها و كذا المغزى من إجراء الإشهار. فبعد أن قضت بأن دعوى الشفعة لا تخضع لإجراء الإشهار فإنها حللت و شرحت موقفها كما يلي :" إن المشرع و في مجال المحافظة العقارية و السجل العقاري إنما اختار النظام العيني لا الشخصي ، و من هنا فإن حلول الشفيع محل المشتري في حالة تثبيت حق الشفعة ليس من طبيعته التأثير على فحوى العقد المشهر ذاته من حيث البيانات الخاصة بالعقار أو الحقوق العينية المترتبة عنه كما هو الشأن بالنسبة للدعاوى التــي حـصرتها بالذكر المادة 85 ( قرار بتاريخ 26 ابريل 2000، ملف رقم 194437، منشور بالمجلة القضائية لسنة 2000 العدد 2 صفحة 146 ).

هذا و يجب الإشارة إلى أن النص الفرنسي للمادة 17-3 حرر في صيغة خاطئة و مخالفة للنص الأصلي إذ يفرض إجراء الإشهار على كل الدعاوى المتعلقة بعقار أو حق عيني عقاري حتى و إن لم يكن مشهر إذ أسقط من النص الفرنسي عبارة " مشهر طبقا للقانون" الوارد في النص العربي.

ما هي طبيعة عدم قبول عريضة افتتاح الدعوى بسبب عدم إشهارها ؟ هل هو عدم قبول من النظام العام يجوز للقاضي إثارته من تلقاء نفسه، أم أنه يجب على الأطراف التمسك به ؟الصيغة التي حررت بها المادة 17 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية توحي بأن الإجراء من النظام العام كون المشرع استعمل عبارة : " يجب إشهار العريضة... تحت طائلة عدم قبولها شكلا ".و لكن المحكمة العليا قضت خلاف ذلك إذ اعتبرت أن إجراء إشهار العريضة ورد لحماية مصالح خاصة فهو ليس من النظام العام فلا يجوز للقاضي إثارته من تلقاء نفسه (قرار بتاريخ 21 نوفمبر 2008 ،ملف رقم 389338، منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2008 العدد 2 صفحة 159) .حتى و إن صدر هذا القضاء قبل سريان قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، فإنه صدر في ظل المادة 85 من المرسوم رقم 76-63 المؤرخ في 13 ابريل 1976 المتعلق بتأسيس السجل العقاري و التي ما زالت سارية المفعول.

و إذا اعتبرنا عدم إشهار العريضة كعيب من حيث الشكل فقط كما قضت بذلك المحكمة العليا،فهذا يعني كذلك أنه يمكن تصحيح هذا الإجراء أثناء سير الخصومة أي يجوز للمدعي إشهار عريضته طوال سير الخصومة إلى وقت إقفال باب المناقشات.ارتكازا على نص المادة 62 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي تجيز القاضي منح أجلا للخصوم لتصحيح الإجراء المشوب بالبطلان نعتقد كذلك أنه يمكن للقاضي ، في الحالة التي يغفل فيها المدعي إشهار عريضة افتتاح دعواه،أن ينبه هذا الأخير بالقيام بهذا الإجراء.

و مع ذلك فقد لوحظ أن بعض المحاكم تقضي من تلقاء نفسها و في الجلسة الأولى بعدم قبول الدعوى لعدم إشهار عريضة افتتاح الدعوى بحجة أن المادة 17 حررت بصيغة الإلزام كونها استعملت مصطلح " يجب " . إن هذا التسبيب قد يكون مطابق لحرف النص و مع ذلك و لكون منح أجل للمدعي لتصحيح هذا الإجراء لا يضر بالخصم و لا يؤثر على حسن سير الخصومة فإن عدم التصريح بعدم القبول تلقائيا يكون اقرب من الصواب.

المادة 32 من ق.إ.م.إ.  -  نوع اختصاص أقسام المحكمة

إذا كانت المحكمة هي الجهة القضائية ذات الاختصاص العام و تتشكل من أقسام حسب المادة 32 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، فما هو نوع اختصاص هذه الأقسام ؟ هل هو كذلك اختصاص عام بمعنى أنه يجوز لأي قسم من أقسام المحكمة الفصل في دعوى مهما كان نوعها ، أو أنه يجب أن يبقي في حدود المواد التي أسندها له القانون ؟ فإذا افترضنا أن المدعي عوضا أن يرفع دعواه الرامية إلى إثبات ملكية عقارية إلى القسم العقاري ، فرفعها أمام القسم المدني أو أمام القسم التجاري ، فما هو مـﺁل هذه الدعوى إذا دفع المدعى عليه بعدم اختصاص القسم المطروح أمامه النزاع عن خطأ ؟ و ما هو الجزاء الذي يرتبه القانون على هذا الخطأ في توجيه الدعوى؟

في ظل قانون الإجراءات المدنية القديم ، فإن المحكمة العليا قطعت المسألة على مرحلتين . فقد استقر قضائها في مرحلة أولى على أن اختصاص أقسام المحكمة هو اختصاص نسبي ، وقد تضمن أحد قراراتها في هذا الشأن ما يلي : " إن المحاكم المتمتعة بالصلاحيات القضائية ، فإن الدفع بعدم اختصاص فرع لصالح فرع ٱخر هو نسبي ويتعين التمسك بذلك قبل الإدلاء بأي وجه ٱخر(قرار بتاريخ 4 يونيو 1983، ملف رقم 28906، المنشور بمجلة الاجتهاد القضائي لسنة 1986 الصفحة 176) .ويفهم من عبارة " قبل الإدلاء بأي وجه ٱخر" الواردة في قرار المحكمة العليا طريقة تقديم الدفع المنصوص عليها في المادة 93 الفقرة 2 من قانون الإجراءات المدنية القديم ، أي تقديم الدفع " قبل أي دفع أو دفاع ٱخر". المحكمة العليا تراجعت عن قضائها السابق ونهجت قضاء جديد إذ اعتبرت أقسام المحاكم بمثابة تنظيم إداري لا علاقة لها بالاختصاص النوعي ( قرار بتاريخ 19 ديسمبر 1989، ملف رقم 54288، المنشور بمجلة نشرة القضاة لسنة 1990 العدد 4 الصفحة 108).

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية لم يغير القواعد التي تحكم اختصاص أقسام المحكمة الذي يبقى اختصاصا شاملا ، بمعنى أن الخطأ في تشخيص القسم المختص للفصل في الدعوى لا يترتب عليه التصريح بعدم الاختصاص ، و ذلك باستثناء القسم الاجتماعي الذي ورد بشأنه نصا صريحا يمنح له اختصاصا مانعا أي اختصاص من النظام العام (المادة 32 الفقرة 5 و 500 من ق.إ.م.إ.).

وانطلاقا من هذا المنطق الذي يعتبر أقسام المحكمة بمثابة تقسيم إداري بحت لا علاقة له بالاختصاص النوعي ، فإن المادة 32 الفقرة 6 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أسندت لأمين الضبط تحت رقابة رئيس المحكمة ، سلطة إحالة الدعوى أمام القسم المختص إذا تم جدولتها أمام قسم غير القسم المعني بالنظر فيها.

إسناد أمين الضبط سلطة القرار في إحالة القضايا على الأقسام المختصة في حالة الخطأ في تشخيص القسم المختص أثناء رفعها من قبل المدعي يثير إشكالات قانونية عدة. مسألة تحديد القسم المختص للنظر في الدعوى قد تكون في حد ذاتها نقطة خلاف بين الطرفين ، و يمكن تصور دعوى رفعها المدعي عن قصد أمام القسم التجاري بالنظر إلى مرونة الإثبات في المجال التجاري ، فيما أنه قد يكون من مصلحة المدعى عليه أن تطرح الدعوى أمام القسم المدني لأسباب عكسية. فلو قرر أمين الضبط من تلقاء نفسه إحالة الملف من القسم التجاري إلى القسم المدني ، فإن ذلك يكون بمثابة إخلال بمبدأ حياد أمين الضبط و كذا بمبدأ " الدعوى ملك الأطراف ".

من جهة أخرى فإن التشريع الجزائري ، لا سيما المادة 213 من قانون التسجيل ، يفرض رسوم على كل الدعاوى المرفوعة أمام القضاء و مبلغ هذه الرسوم يختلف حسب نوع القضية . فمبلغ الرسم بالنسبة للدعوى المرفوعة مثلا أمام قسم شؤون الأسرة هو 300 دينار ، و أمام القسم المدني 500 دينار ، و أمام القسم العقاري 1000 دينار ، و أمام القسم التجاري 2500 دينار. فإذا قرر أمين الضبط إحالة القضية المجدولة عن خطأ أمام القسم المدني إلى القسم التجاري فما هو مـﺁل الفارق من الرسم القضائي الذي لم يدفع ؟ هل يعفى المدعي من تسديده علما أن المادة 17 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تمنع أمين الضبط تسجيل أي دعوى ما لم يدفع الرسم المحدد لها؟

الإجراء الذي نصت عليه المادة 32 الفقرة 6 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية يعقد مسألة تحديد نوع اختصاص أقسام المحكمة أكثر مما يحلها. يمكن كذلك تصور الحالة التي سجلت فيها الدعوى أمام قسم غير القسم المعني بالنظر فيها وأغفل أمين الضبط تصحيح الإجراء بإحالة الملف إلى القسم المختص طبقا للمادة 32-5 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، فهل يجوز للمدعى عليه في هذه الحالة الدفع بعدم اختصاص القسم المطروح أمامه الدعوى ؟ في ظل قانون الإجراءات المدنية القديم الذي أقر عموما نفس المبادئ بشأن اختصاص أقسام المحكمة فإن المحكمة العليا أعطت حلا لهذه الإشكالية إذ أجازت إثارة الدفع بعدم اختصاص قسم المحكمة على شرط أن يقدم هذا الدفع قبل الدفاع في الموضوع ، و أما طريقة الفصل في هذا الدفع فإنها قدمت حلا متميزا إذ قضت أن تسوية هذا العارض يتم بالإحالة أي بأن يحال الملف مباشرة إلى القسم المختص :" بما أن المحاكم يجوز لها الفصل في المسائل التجارية والمدنية على حد سواء،فإن عدم اختصاص قسم لابد أن يثار قبل الدخول في الموضوع ،وللمحكمة أن تسوي هذا بالإحالة " (قرار بتاريخ 4 يونيو 1983، ملف رقم 28906، المنشور بمجلة الإجهاد القضائي لسنة 1986 الصفحة 176). نعتقد أن هذا الحل يتماشى مع الأحكام التي أقرها قانون الإجراءات المدنية و الإدارية و لا تتعارض معه.

المادتين 25 و 33 من ق.إ.م.إ. -  تقدير قيمة النزاع و ﺁثار الطلبات العارضة على طبيعة الحكم الصادر

المبدأ هو أن الحكم الصادر عن المحكمة يكون حكم في أول درجة بمعنى أنه يكون قابلا للاستئناف و مع ذلك فإن المادة 33 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تنص أنه في حالة ما إذا كانت قيمة الطلب المقدم من المدعي لا تتجاوز مائتي ألف دينار ، فإن المحكمة تفصل في الدعوى بحكم في أول و ٱخر درجة أي بحكم غير قابل للاستئناف ، حتى و لو كانت قيمة الطلبات المقابلة تتجاوز هذه القيمة. يفهم من هذا النص أنه ليس للطلبات المقابلة أي أثر على نصاب الاختصاص الابتدائي أو النهائي.

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ذكر الطلبات المقابلة دون تمييز ، مما يفهم منه أن الأمر يتعلق بكل الطلبات المقابلة. قانون الإجراءات المدنية القديم و قضاء المحكمة العليا كانا يميزان بشأن تحديد نصاب الاختصاص الابتدائي و النهائي بين نوعين من الطلبات المقابلة: فإذا تعلق الأمر بطلب مقابل خاص بالتعويضات المبني كلية على الطلب الأصلي و كانت قيمة الطلب الأصلي لا تتعدى نصاب اختصاص المحكمة الابتدائي النهائي ، فإنه يفصل في الطلب بحكم نهائي غير قابل للاستئناف ، حتى و لو كانت قيمة هذا الطلب المقابل يفوق هذا النصاب . و لكن إذا كان الطلب المقابل ليس طلبا مقابلا بالتعويضات المبني كلية على الطلب الأصلي ، و كانت قيمته تتعدى اختصاص المحكمة الابتدائي النهائي ، فإن الحكم يكون ابتدائيا فقط قابلا للاستئناف حتى و إن كان الطلب الأصلي في نطاق اختصاص المحكمة النهائي ، و هذه القاعدة نصت عليها المادة 4 من قانون الإجراءات المدنية القديم.

أمام عدم نشر الأشغال و المناقشات التي دارت أثناء عرض قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أمام الهيئة التشريعية ، فإنه يصعب معرفة الدوافع التي أدت إلى إقرار القاعدة الجديدة للمادة 33 التي نزعت للطلبات العارضة التأثير على نصاب اختصاص.

لا شك أن إقرار مبدأ عدم تأثير الطلبات المقابلة و المقاصة على نصاب المحكمة قد يكون له أثر إيجابي ، من أنه سيحول دون تمكين بعض المتقاضين من التحايل على القانون عن طريق تقديم طلبات مقابلة مبالغ فيها و وهمية لسبب واحد و هو جعل الحكم الصادر قابلا للاستئناف ، فيما أن الطلب الأصلي الذي قدمه المدعي يدخل في الاختصاص الابتدائي النهائي . قد يكون هذا هو دافع المشرع حينما نزع لكل الطلبات المقابلة و للمقاصة أي أثر على نصاب اختصاص المحكمة.و مع ذلك فإن مساوئ القاعدة الجديدة للمادة 33 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تفوق في نظرنا محاسنها إذا قدرت من زاوية احترام حقوق الدفاع و حق التقاضي على درجتين.

يجب التذكير أنه إذا فصل القاضي في طلب مقابل ، فإن هذا الطلب يحوز قوة المقضي فيه على غرار الطلب الأصلي. فإذا افترضنا أن المدعى عليه قدم طلبا مقابلا يلتمس فيه من المدعي تنفيذ الالتزامات الأخرى التي تضمنها نفس السند الذي احتج به هذا الأخير و رفض هذا الطلب المقابل ، و إذا كانت قيمة الطلب الأصلي لا يفوق نصاب الاختصاص الابتدائي النهائي ، فإن الفصل في الطلب المقابل يكون هو كذلك بحكم ابتدائي نهائي حتى و إن كانت قيمته تفوق مبلغ المائتان ألف دينار.ففي هذه الحالة فإنه لا يبقى للمدعى عليه الذي رفض طلبه المقابل سوى طريق الطعن بالنقض.

القاعدة التي كانت سارية في قانون الإجراءات المدنية القديم حتى و إن كانت هي الأخرى ناقصة فإنها أقرب من المبادئ العامة التي تحكم الخصومة كونها لا تستثني من القاعدة العامة التي تجيز الاستئناف في الحكم الفاصل في الطلب المقابل الذي يفوق نصاب الاختصاص النهائي ، سوى الطلب المقابل المتعلق بالتعويض المؤسس كلية على الطلب الأصلي.

ما يثير الانتباه كذلك في مجال تقدير النزاع و تحديد نصاب الاختصاص للمحكمة هو نص المادة 25 الفقرة 3 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي هذا نصها: " تتحدد قيمة النزاع بالطلبات الأصلية و الإضافية و بالطلبات المقابلة أو المقاصة القضائية ".هذا النص يثير تساؤلات عن الهدف الذي قصده المشرع.إذا كانت المادة 33 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية واضحة رغم الانتقادات التي وجهت لها باعتبارها أقرت مبدأ الاختصاص الابتدائي النهائي للمحكمة حتى ولو كانت قيمة الطلبات المقابلة أو المقاصة القضائية تتجاوز مبلغ المائتان دينار ، فإن قاعدة المادة 25 من نفس القانون تبقى غامضة.ماذا قصد المشرع حينما أقر أن قيمة النزاع تتحدد بالطلبات الأصلية و الإضافية و بالطلبات المقابلة و المقاصة القضائية ؟ من الصعب التصور أن المشرع قصد من هذه القاعدة إقرار مبدأ الجمع بين الطلب الأصلي و الطلبات العارضة لتحديد قيمة النزاع . فلو كانت هذه هي نيته لما أقر القاعدة الواردة في المادة 33 التي بالعكس تبعد الطلب المقابل والمقاصة في حساب نصاب اختصاص المحكمة.لا شك أنه يوجد تناقض بين النصين السالفين الذكر الشيء الذي قد يترتب عليه إشكالات عند تطبيقهما من طرف الجهات القضائية.

المادة 40 من ق.إ.م.إ. - الاختصاص الإقليمي للمحكمة

الاختصاص الإقليمي للمحكمة حددتها المادتين 39 و 40 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية . نص المادة 40-1 من هذا القانون الذي يحدد الاختصاص الإقليمي للمحكمة في الدعاوى العقارية و دعاوى المتعلقة بالأشغال العمومية يثير بعض الإشكالات التطبيقية و ذلك بالنظر إلى الصيغة التي حرر بها هذا النص مقارنة مع النص المترجم للغة الفرنسية و المنشور في الطبعة الفرنسية للجريدة الرسمية.

النص الرسمي للمادة 40-1 ورد كما يلي : " ترفع الدعوى في المواد العقارية،أو الأشغال المتعلقة بالعقار،أو دعاوى الإيجارات بما فيها التجارية المتعلقة بالعقارات،و الدعاوى المتعلقة بالأشغال العمومية، أمام المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها العقار،أو المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان تنفيذ الأشغال".ولكن النص باللغة الفرنسية تضمن كلــمة إضافية و هي Respectivement أي " بالتوالي" .

الصيغة الفرنسية للمادة 40-1 جاءت كالتالي :

« En matière immobilière ou de travaux portant sur un immeuble et en matière de baux, même commerciaux, portant sur des immeubles, en matière de travaux publics, le tribunal compétent est respectivement celui du lieu de la situation de l’immeuble ou du lieu où les travaux ont été exécutés ».

النص الرسمي باللغة العربية للمادة 40-1 حسبما تم تحريره يقر مبدأ خيار الاختصاص الإقليمي بين المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها العقار و المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان تنفيذ الأشغال. و أما النص الفرنسي فإنه استعمل كلمة " على التوالي" respectivement بمعنى أن الاختصاصين المذكورين يطبقان بالتوالي حسب ترتيب الدعاوى المذكورة في نفس النص و من ثمة فإن المواد العقارية و الأشغال المتعلقة بالعقار و دعاوى الإيجارات ترفع أمام المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها العقار و أما الدعاوى المتعلقة بالأشغال العمومية فإنها ترفع أمام المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان تنفيذ الأشغال.

اعتقادنا أن نية المشرع و محرري المادة 40-1 هو دون شك تكريس القاعدة الواردة في النص الفرنسي و التي تميز بين الاختصاصين ، و أما إغفال الإشارة في النص العربي لكلمة " على التوالي" التي تضمنها النص الفرنسي فإنه يرجع إما لسهو و إما إلى خطأ مطبعي ، و حجة ذلك هو ما يلي : القاعدة في مواد الأشغال العمومية أن الاختصاص الإقليمي يرجع عادة إلى المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان تنفيذ الأشغال العمومية و هذه القاعدة تتماشى مع طبيعة هذه الأشغال . من جهة أخرى فإن مضمون نص المادة 40-1 هو في الواقع نسخة مطابقة للأصل للمادة 8 الفقرة 2 المطتين 1 و 9 من قانون الإجراءات المدنية القديم اللتان جمعتا في نص المادة 40-1 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية . المادة 8 من قانون الإجراءات المدنية القديم ميزت بين الدعاوى العقارية و الأشغال المتعلقة بالعقار و دعاوى الإيجارات التي أسندتها إلى المحكمة التي يقع العقار في دائرة اختصاصها ( المطة 8 للمادة 8) و بين الدعاوى المتعلقة بالأشغال العمومية التي أسندتها إلى المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان تنفيذ الأشغال ( المطة 9 للمادة 8). و أخيرا فإن باقي الفقرات التي أدرجت في المادة 40 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية و التي ورد فيها مصطلح " Respectivement " في النص الفرنسي فإن نصها الرسمي باللغة العربية تضمن هذا المصطلح إما باستعمال كلمة " على التوالي" و إما باستعمال صيغة دقيقة تتضمن التمييز بين الاختصاصين.

المواد 40-6 ، 418 و 422 من ق.إ.م.إ. - المصاريف القضائية و أتعاب الخبير

عندما يفصل القاضي في الدعوى المطروحة أمامه فإنه يحدد الطرف الملزم بدفع المصاريف القضائية. هذه المصاريف تشمل الرسوم المستحقة للدولة، و مصاريف سير الدعوى لا سيما مصاريف إجراءات التبليغ الرسمي و الترجمة و الخبرة و إجراءات التحقيق و مصاريف التنفيذ كما تشمل أتعاب المحامي ( المادة 418 من ق.إ.م.إ). يحكم بالمصاريف القضائية مبدئيا لصالح الطرف الذي ربح الدعوى، وفي أغلب الأحيان يتضمنها الحكم الصادر في الدعوى الأصلية. و قد يقع نزاع حول تصفية هذه المصاريف القضائية و هذا النزاع قد ينشأ بين أطراف الخصومة أنفسهم أوبين المساعدين القضائيين و أطراف الدعوى بالنسبة لأجور هؤلاء المساعدين القضائيين كحالة منازعة أتعاب الخبير الذي عينته الجهة القضائية. و في كلتا الحالتين فإن الدعوى ترفع حسب المادة 40-6 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أمام المحكمة التي فصلت في الدعوى الأصلية

الملاحظ أن النص الفرنسي للمادة 40-6 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أشار إلـــى مــصــطلح " مــصاريف الدعــوى" بمصــطلح "dépenses " فيــما أن المــصطلح الــصحيــح هو " dépens " و قد يرجع هذا الخطأ في الترجمة إلى خطأ مطبعي .

عموما فإن أتعاب المساعدين القضائيين لا سيما أتعاب الخبراء المعينين في الخصومات تحدد من طرف رئيس الجهة القضائية بموجب أمر على عريضة. الإشكال الذي تثيره مسألة تحديد إتعاب الخبير يتعلق بإجراءات الطعن في الأمر المتضمن تحديد هذه الأتعاب. فمثلا إذا كانت الأتعاب النهائية التي حددها القاضي تفوق مبلغ التسبيق و شرع الخبير في تنفيذ الأمر الصادر عن القاضي ضد الخصم المكلف باستكمال المبالغ المستحقة ، فهل يمكن لهذا الأخير الطعن في هذا الأمر؟ و بالعكس هل يجوز للخبير الطعن في الأمر الذي حدد أتعابه إذا اعتبر أنها لا تعكس الأتعاب و المصاريف الحقيقية التي تحملها ؟

قانون الإجراءات المدنية القديم تضمن نصوصا صريحة تعالج هذه المسألة إذ أجاز الخبير الاعتراض في أمر تقدير أتعابه خلال ثلاثة أيام من تاريخ تبليغه به ويكون القرار الصادر عن هذا الاعتراض غير قابل لأي طعن (المادة 228). كما يجوز للأطراف رفع معارضة في أمر تحديد أتعاب ومصاريف الخبير خلال ثمانية أيام من تاريخ تبليغ الحكم أو الأمر الصادر بتحديدها، ويكون الأمر الصادر في هذه المعارضة غير قابل هو كذلك لأي طعن ( المادة 230).

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية لم يتضمن نصا مماثلا لنص المادة 228 من قانون الإجراءات المدنية القديم ، و اقتصر على النص على أن القاضي يفصل في أتعاب الخبير بأمر تسلم نسخة منه لهذا الأخير للتنفيذ ( المادة 143) ، دون تحديد طريقة الطعن في هذا الأمر عند الضرورة. و لكن في الباب المتعلق بالمصاريف القضائية ، فإن المادة 422 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تطرقت إلى إجراءات الاعتراض على تصفية المصاريف القضائية .فحسب المادة 422 المذكورة فإنه يجوز للخصوم الاعتراض على تصفية المصاريف أمام رئيس الجهة القضائية التي أصدرت الحكم في أجل عشرة أيام من تاريخ التبليغ الرسمي إذا كان صادرا في آخر درجة ، و يكون الأمر الفاصل في هذا الاعتراض غير قابل لأي طعن.

المادة 422 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تتعلق بالخصوص بتصفية كل المصاريف القضائية و كذا مصاريف سير الخصومة ، علما أن هذه المصاريف تشمل لا فقط مصاريف الخبرة و أتعاب الخبير ، ولكن تشمل كذلك الرسوم و مصاريف سير الدعوى كمصاريف التبليغ الرسمي و الترجمة و مصاريف التنفيذ و أتعاب المحامي .هل يطبق هذا النص على الأمر المتضمن تحديد أتعاب الخبير و بالتالي إخضاعه هو كذلك للاعتراض من طرف الخبير باعتباره نصا عاما ؟ لا نعتقد ذلك لأنه من جهة ، فإن المادة 422 تتكلم عن " الخصوم " فيما أن الخبير ليس خصما. و من جهة أخرى فإن هذه المادة تخص تصفية المصاريف القضائية أو مصاريف سير الخصومة التي يتضمنها القرار أو الحكم أو الأمر " الفاصل في النزاع " (المادة 421 من ق.إ.م.إ.) فيما أن الأمر المحدد لأتعاب الخبير يصدره القاضي عند إيداع التقرير بأمانة الضبط ، أي قبل الفصل في النزاع .هذا و أنه لا يجوز الاعتراض في هذه المواد إلا إذا صدر الحكم في آخر الدرجة علما أن الأمر بتحديد أتعاب الخبير قد يصدر في نزاع يفصل فيه ابتدائيا فقط.

هل أراد محرري قانون الإجراءات المدنية و الإدارية إخضاع الأوامر المتضمنة تحديد أتعاب الخبراء إلى القواعد العامة المطبقة على الأوامر على العرائض ،و المنصوص عليها في المادة 310 و ما يليها من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ؟ هنا كذلك فإن موقف المشرع غامض لأن الأوامر التي تحكمها هذه النصوص هي الأوامر التي تصدر إثر العرائض التي تقدم للقاضي، فيما أن الأوامر المحددة لأتعاب الخبير يتخذها القاضي تلقائيا دون تدخل الخبير أو الخصوم (المادة 143 من ق.إ.م.إ.).

الخلاصة أن إلغاء القاعدة التي تضمنها المادة 228 من قانون الإجراءات المدنية القديم التي دققت إجراءات الطعن في أمر تقدير أتعاب الخبير دون تعويضها بنص صريح يعالج هذه المسألة،خلق فراغا قانونيا يجب تداركه.

المادة 59 من ق.إ.م.إ. – الدفع التسويفي و الدفع بإرجاء الفصل في الدعوى

الدفع التسويفي الذي يقابله المصطلح الفرنسي exception dilatoire كما ورد في الترجمة الفرنسية لقانون الإجراءات المدنية و الإدارية ،هو ذلك الدفع الذي يرمي إلى الحصول على أجل أو على تعطيل النظر في الدعوى. لم يعرف قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الدفع التسويفي و لكن أشار إليه في عنوان القسم الثالث الذي أدرجت فيه المادة 59 و التي هذا نصها: " يجب على القاضي إرجاء الفصل في الخصومة إذا نص القانون على منح أجل للخصم الذي يطلبه ".

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أشار في المادة 59 و في طبعته الأصلية باللغة العربية إلى الدفع التسويفي بمصطلح " الدفع بإرجاء الفصل" ، و أما الطبعة المترجمة إلى اللغة الفرنسية فإنها استعملت مصطلح exception dilatoire أي بالترجمة الصحيحة "الدفع التسويفي". الظاهر أنه وقع خلط بيــن الدفع التــسويفي exception dilatoire و إرجاء الفــصل sursis à statuer . مــصطلـح " الدفع بإرجاء الفصل" sursis à statuer لا يؤدي في اعتقادنا معنى الدفع الذي نحن يصدده بل يشكل سبب من أسباب وقف الخصومة الذي ورد في باب عوارض الخصومة ( المادة 213 من ق.إ.م.إ.).

و إذا كان الدفع التسويفي يرمي فعلا إلى إرجاء الفصل في الخصومة ، فإنه يختلف عن هذا الأخير من أنه يبقى دفعا إجرائيا يجب مبدئيا إثارته ككل الدفوع قبل أي دفاع، و يفصل فيه حسب الإجراءات المطبقة على الدفوع، فيما أن الأمر المتضمن إرجاء الفصل يخضع لنظام خاص حدد في المادة 213 و ما يليها من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية .

المواد من 90 إلى 92 من ق.إ.م.إ. - الدفع بوحدة الموضوع و الارتباط

نظام الدفع بوحدة الموضوع و الارتباط الذي كان سائدا في ضوء قانون الإجراءات المدنية القديم لم يكن دقيقا و واضحا إذ أفرغ في ثلاث مواد فقط ( المواد من 90 إلى 92).محررو قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد أرادوا دون شك من خلال إدراج الدفع بوحدة المــوضوع و الارتــباط في قــسم خاص( القسم الثاني من الفصل المتعلق بالدفوع الشكلية) أن يمنحوا الخصومة نوع من الليونة و التبسيط.

الإجراءات الجديدة عرفت من جهة كلا من وحدة الموضوع و حالة الارتباط ، و من جهة أخرى و هذا هو الأهم، فإنها حددت ما هي الجهة القضائية التي تصبح مختصة إثر تقديم أحد هذين الدفعين. عند الدفع بوحدة الموضوع، فإن الجهة القضائية الأخيرة التي رفع إليها النزاع هي التي يجب أن تتخلى لصالح الجهة الأخرى.و كذلك في حالة الارتباط، فإن ٱخر جهة قضائية أو ٱخر تشكيلة طرح عليها النزاع هي التي يجب عليها أن تتخلى عن الدعوى لصالح جهة قضائية أو تشكيلة أخرى ،و ذلك بموجب حكم مسبب بناء على طلب الخصوم أو تلقائيا.و أما الأحكام الصادرة بالتخلي بسبب وحدة الموضوع أو الارتباط فإنها تكون ملزمة لجهة القضائية أو التشكيلة المحال إليها و هي غير قابلة لأي طعن.

الحلول التي أتى بها قانون الإجراءات المدنية و الإدارية في مجال نظام الدفع بوحدة الموضوع و الارتباط، و إن جعلت حدا للإشكال الذي كان قائما حول الجهة القضائية الملزمة بالتخلي، و كذا حول نوع الحكم الفاصل في هذا الدفع الذي أصبح غير قابل لأي طعن، مما يجعل حد لاستعمال هذا الدفع لربح الوقت و إطالة الخصومات ، فإنها من جهة أخرى أبقت على الإشكال الذي يطرأ في حالة تنازل كلا الجهتين القضائيتين عن الفصل في النزاع رغم أحكام المادة 57 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي تلزم الجهة القضائية الأولى الفصل في الدعوى المحال لها من طرف ٱخر جهة قضائية.

إذا قررت كلتا الجهتين القضائيتين التخلي عن النزاع بسبب وحدة الموضوع أو الارتباط فكيف يسوى هذا الإشكال ليتسنى مواصلة الخصومة ؟ لا يمكن طبعا رفع استئناف في حكم التخلي كون هذا الحكم غير قابل لأي طعن طبقا للمادة 57 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية . أمام هذه الفرضية فإنه ينشأ تنازع في الاختصاص بين القضاة يحل عن طريق تطبيق الإجراءات التي تحكم هذا النوع من التنازع و الواردة في المادة 398 و ما يليها من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية .

هذه الإجراءات هي طبعا إجراءات ثقيلة و معقدة و تتناقض مع روح النصوص التي أقرها المشرع في مجال تسوية الدفع بوحدة الموضوع و الارتباط. كان بإمكان محرري قانون الإجراءات المدنية و الإدارية إتمام النصوص التي تحكم هذا الدفع بنصوص إضافية لحل هذه الإشكالية ، كالنص مثلا على أن الحكم القاضي بالتخلي و الصادر عن الجهة القضائية الأولى التي رفع إليها النزاع يعتبر كأن لم يكن أو كذلك إسناد رئيس المحكمة سلطة الفصل بقرار غير قابل لأي طعن في نزاع حول الارتباط بين تشكيلات مختلفة لنفس المحكمة .

المادة 91 من ق.إ.م.إ. - تسوية عوارض التنفيذ

أثناء الخصومة يمكن للقاضي الأمر بإجراء من إجراءات التحقيق المنصوص عليها في المادة 98 و ما يليها من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية لا سيما الأمر بالانتقال للمعاينة أو تعيين خبير أو سماع الشهود.

تنفيذ إجراءات التحقيق قد يثير إشكالات و عوارض عديدة و متنوعة. القاضي المختص لتسوية الإشكالات التي قد تعترض تنفيذ إجراء التحقيق ، هو القاضي الذي أمر بهذا الإجراء . و إذا صدر الحكم القاضي بإجراء تحقيق من تشكيلة جماعية لا سيما من المجلس القضائي ، فإن تسوية الإشكال يرجع للقاضي أو للمستشار المقرر ، و هذا الاختصاص هو في اعتقادنا اختصاصا مانعا.

يتولى القاضي تسوية الإشكال الذي قد يعترض تنفيذ إجراء التحقيق إما تلقائيا ، و إما بطلب من أحد الخصوم،وإما بطلب من الخبير المعين(المادة 91 من ق.إ.م.إ.).و إشكالات التنفيذ قد تتعلق بتعديل إجراء التحقيق المأمور به، أو بتسوية شروط سير الخصومة ( تمديد أجل ، تبديل خبير...).

المادة 91 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية حررت في صيغة غير دقيقة إذ أنها تتكلم عن تسوية الإشكالات التي قد تعترض تنفيذ " التحقيق " المأمور به. فلو أخذ بعين الاعتبار المعنى الدقيق لمصطلح " تحقيق " فإن الأمر يصبح يتعلق بسماع الشهود فقط.النص أراد في الواقع الإشارة إلى " إجراء من إجراءات التحقيق " أي كل إجراءات التحقيق المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.النص الفرنسي لنفس المادة ورد في الصيغة الصحيحة إذ استعمل مصطلح mesure d’instruction التي تشمل كل إجراءات التحقيق، علما أنه حتى النص الفرنسي يحتوي على خطأ مطبعي إذ يشير إلى mesure l’instruction بدلا من mesure d’instruction.

 

يـــتــبــع ...

 

 

Aucune note. Soyez le premier à attribuer une note !

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

Date de dernière mise à jour : 25/07/2016

×