إجراءات الدفع بعدم الدستورية على ضوء القانون العضوي المؤرخ في 2 سبتمبر 2018

القانون العضوي المحدد لشروط  و كيفيات تطبيق الدفع  بعدم الدستورية الذي نصت عليه المادة 188 من الدستور قد تم نشره في الجريدة الرسمية المؤرخة في 05 سبتمبر 2018. يتعلق الأمر بالقانون العضوي رقم 18-16 المؤرخ في 2 سبتمبر 2018 .المادة 215 من الدستور المنشور بالجريدة الرسمية رقم 14 المؤرخة في 7 مارس 2016  حددت تاريخ سريان  آلية الدفع بعدم الدستورية  بعد انقضاء أجل 3 سنوات  من تاريخ  سريان الأحكام الدستورية الجديدة  و لذلك  فإن هذا الأجل سينقضي في 08 مارس 2019.ابتداء من هذا التاريخ الأخير  يمكن لأي متقاضي ، طرف في خصومة  مدنية أو إدارية أو جزائية  ، أن يلتمس من الجهة القضائية  المطروح أمامها  دعواه  إخطار المجلس الدستوري  للنظر في مدى مطابقة الحكم التشريعي المحتج به من قبل خصمه ( مادة من قانون أو من أمر أو من مرسوم تشريعي ) للدستور . لا شك أن هذه الآلية الجديدة  ستدعم بشكل غير مسبوق حريات المواطن ولقد سبق و أن نشرنا في هذا الموقع مقال حول نفس الموضوع  قبل صدور هذا القانون العضوي. سنتطرق هنا  إلى كيفية ممارسة هذا الحق الجديد الممنوح للمتقاضي .

يثارالدفع بعدم الدستورية  أمام الجهة القضائية  من قبل أحد أطراف  الدعوى (دعوى مدنية أو إدارية أو جزائية) الذي يدعي أن الحكم التشريعي الذي يتوقف عليه مآل النزاع  ينتهك الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور.  المادة 4 من القانون العضوي  نصت صراحة  أنه لا يمكن أن يثار الدفع  بعدم الدستورية تلقائيا من طرف القاضي.هل يجوز للنيابة العامة إثارة الدفع بعدم الدستورية لا سيما إن   كان طرفا أصليا في الدعوى  ؟  القانون العضوي لم   يذكر  هذه الحالة فيرجع للقضاء  تحديد  دور النيابة العامة  و القول هل يجوز له إثارة الدفع بعدم الدستورية 

يفصل في الدفع بعدم الدستورية من قبل المجلس الدستوري الذي يمكنه وحده إلغاء الحكم التشريعي المعترض عليه. يجب أن يتعلق الدفع بعدم الدستورية بـ " حكم تشريعي" أي  نص يتضمنه قانون عضوي أو قانون عادي أو أمر أو مرسوم تشريعي  تم التصديق عليه من قبل البرلمان. حتى في حالة ما إذا كان الحكم التشريعي قد ألغي و لكنه لا يزال ينطبق على النزاع  فإنه يمكن أن يكون محل دفع بعدم الدستورية. المجلس الدستوري الفرنسي   و في مجال  الدفع الفرعي بعدم الدستور ( Question prioritaire de constitutionnalité   ) وهو ما يعادل الدفع بعدم الدستورية ، اعتبر  أنه من حق أي متقاض منازعة  نطاق تطبيق  تفسير قضائي مستقر و من ثمة  يمكن للمجلس الدستوري مراقبة مدى مطابقة هذا التفسير الذي  كرسته محكمة النقض ( المحكمة العليا) أو مجلس الدولة مع الحقوق و الحريات التي يضمنها الدستور  و عند الضرورة يمكنه  التصريح بأن هذا القضاء المستقر المفسر لحكم تشريعي  ينتهك الحقوق و الحريات التي يضمنها الدستور.

إجراء ات تقديم الدفع بعدم الدستورية  

يثار الدفع بعدم الدستورية  بصفة فرعية  أي بمناسبة  خصومة مطروحة أمام الجهة القضائية  . يمكن طرح هذا الدفع في أي حالة  كانت عليها الدعوى و حتى لأول مرة في الاستئناف أو في الطعن بالنقض.

لا يجوز إثارة الدفع بعدم الدستورية  أمام محكمة الجنايات الابتدائية  غير أنه يمكن إثارته عند استئناف الحكم الصادر عن محكمة الجنايات . يثار الدفع بعدم الدستورية  إما من طرف الخصم نفسه  إن كانت الجهة القضائية المثار أمامها الدفع محكمة  و لكن إذا أثير  الدفع أمام المجلس القضائي أو المحكمة الإدارية أو المحكمة العليا أو مجلس الدولة فإنه يقدم لزوما من طرف المحامي.

ولكي يقبل الدفع بعدم الدستورية ، يجب توفر بعض الشروط الشكلية و الموضوعية. أولا يجب تقديم الدفع  بعدم الدستورية  بمذكرة مكتوبة و منفصلة  عن باقي المذكرات  المدفوعة في الملف  ، و هذه المذكرة تكون  مسببة  الكل تحت طائلة عدم القبول. يجوز للقاضي إثارة عدم قبول الدفع بعدم الدستورية  لغياب مذكرة منفصلة و مسببة  من تلقاء نفسه  مع أنه  يمكن للأطراف تصحيح هذا  الإجراء . أمام المحكمة الإدارية فإن القاضي يكون ملزما في نظرنا بتطبيق المادة 843 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية فلا يمكنه  التصريح بعدم القبول  إلا بعد  مطالبة الخصوم بمناقشة  الوجه الذي أثاره تلقائيا  مما سيسمح للأطراف تصحيح الإجراء الذي أغفل بتقديم مذكرة منفصلة و مسببة.

  طبقا للمادة 8 من القانون العضوي  المؤرخ في 2 سبتمبر 2018 فإن قبول الدفع بعدم الدستورية يخضع لثلاثة شروط :

- أن يتوقف على الحكم التشريعي المعترض عليه مآل النزاع ا وأن يشكل أساس المتابعة .

- ألا يكون الحكم التشريعي قد سبق التصريح بمطابقته للدستور من طرف المجلس الدستوري  في أسباب و منطوق أحد قراراته وهذا الشرط يطبق حتى في حالة ما أثير وجه  جدي يثبت  المساس بالحقوق و الحريات الدستورية .  بالعكس فإن تغير  الظروف يجيز إثارة الدفع بعدم الدستورية  على حكم تشريعي سبق و أن صرح بمطابقته للدستور.و لكن كيف نعرف أن  حكم تشريعي قد سبق التصريح بمطابقته للدستور من طرف المجلس الدستوري ؟ يكفي الرجوع إلى الموقع الإلكتروني للمجلس الدستوري على صفحة " قضاء المجلس الدستوري ".

- أن يتسم الوجه المثار بالجدية. تفحص الجهة القضائية ما إذا كان الوجه المثار تدعيما للدفع بعدم الدستورية هو وجه  جدي و هذا طبعا لتفادي  الوسائل التسويفية التي ترمي فقط إلى ربح الوقت.يجب إذا للطرف أو للمحامي أن يشرح في  المذكرة المنفصلة التي يثير فيها الدفع بماذا يمس الحكم التشريعي المعترض عليه  الحقوق و الحريات التي يضمنها الدستور.

تسوية الدفع  بعدم الدستورية

بمجرد إخطارها بالدفع بعدم الدستورية  فإنه يجب على الجهة القضائية  الفصل فورا و بقرار مسبب في إرسال هذا الدفع  إلى المحكمة العليا أو مجلس الدولة و ذلك بعد استطلاع رأي النيابة العامة أو محافظ الدولة حسب طبيعة الجهة القضائية. قد تكون الجهة القضائية  تضم مساعدين غير قضاة ( المحكمة الاجتماعية،المحكمة التجارية...) ففي هذه الحالة فإنها تفصل في  إرسال الدفع  بعدم الدستورية  دون حضور المساعدين.

إذا استوفيت الشروط التي ذكرناها  فإن الجهة القضائية توجه قرارها بإرسال الدفع بعدم الدستورية  إلى المحكمة العليا أو مجلس الدولة  مرفقا بعرائض الأطراف و مذكراتهم خلال عشرة أيام من صدور هذا القرار و يبلغ  هذا القرار الذي لا يكون قابلا لأي طعن إلى الأطراف.

في حالة إرسال الدفع بعدم الدستورية  إلى المحكمة العليا أو مجلس الدولة ، ترجئ الجهة القضائية  الفصل في النزاع  إلى غاية توصلها  بقرار المحكمة العليا أو مجلس الدولة  أو المجلس الدستوري في حالة  ما أحيل هذا الدفع  إلى هذا الأخير للفصل . و مع ذلك فإن قرار  إرسال الدفع بعدم الدستورية  إلى المحكمة العليا أو مجلس الدولة  لا يترتب عليه  وقف  التحقيق كما يمكن للجهة القضائية اتخاذ أي تدبير مؤقت أو تحفظي تراه مناسبا. كذلك لا ترجئ الجهة القضائية الفصل في الدعوى  بعد اتخاذها قرار إرسال الدفع بعدم الدستورية  عندما يكون شخص محروم من حريته بسبب الدعوى أو عندما تهدف هذه الدعوى إلى وضع حد للحرمان من الحرية  أو كذلك عندما ينص القانون على وجوب فصل الجهة القضائية في أجل محدد أو على سبيل الاستعجال.

إذا رفضت الجهة القضائية إرسال  الدفع بعدم الدستورية إلى المحكمة العليا أو مجلس الدولة  فإنها تصدر قرار يقضي بذلك  و يبلغ هذا القرار  إلى الأطراف  اللذين يمكنهم الاعتراض عليه  و لكن فقط بمناسبة  الطعن  ضد القرار الفاصل  في النزاع أو في جزء منه . يجب أن تقديم  الاعتراض في قرار رفض  إرسال الدفع بعدم الدستورية  بموجب مذكرة  مكتوبة و منفصلة و مسببة و ذلك تحت طائلة عدم القبول.

الإجراءات المطبقة أمام المحكمة العليا ومجلس الدولة

تفصل المحكمة العليا أو مجلس الدولة في إحالة الدفع بعدم الدستورية  إلى المجلس الدستوري في أجل شهرين  من تاريخ استلام الإرسال   الصادر عن الجهة القضائية  التي أثير أمامها هذا الدفع . و تتم هذه الإحالة  إذا توفرت الشروط السالفة الذكر.

عندما يثار الدفع بعدم الدستورية أمام المحكمة العليا أو مجلس الدولة مباشرة فإن الجهة القضائية المعنية  تفصل على سبيل الأولوية  في إحالة هذا الدفع  على المجلس الدستوري في أجل الشهرين.

يوجه قرار إرسال الدفع بعدم لدستورية  إلى الرئيس الأول للمحمة العليا أو رئيس مجلس الدولة  اللذين سيستطلعان  فورا رأي النائب العام أو محافظ الدولة  و يمكن  الأطراف من تقديم ملاحظاتهم المكتوبة.

يصدر قرار المحكمة العليا أو مجلس الدولة بتشكيلة يرأسها رئيس كل جهة قضائية  و عند تعذر ذلك يرأسها نائب الرئيس و تتشكل من رئيس الغرفة المعنية و ثلاثة مستشرين يعينهم حسب الحالة الرئيس الأول للمحكمة العليا أو رئيس مجلس الدولة. يرسل إلى المجلس الدستوري  القرار المسبب للمحكمة العليا أو مجلس الدولة عند إحالة الدفع إليه  و يرفق بهذا القرار مذكرات و عرائض الأطراف.

كما هو الشأن أمام باقي الجهات القضائية   فعند إحالة الدفع بعدم الدستورية  المثار مباشرة أمام المحكمة العليا أو مجلس الدولة  إلى المجلس الدستوري  من قبل هتين الجهتين القضائيتين فإنه يجب على المحكمة العليا أو مجلس الدولة  إرجاء الفصل إلى حين  البت في الدفع بعدم الدستورية إلا إذا كان المعني محروما من الحرية بسبب الدعوى  أو عندما تهدف هذه الدعوى  إلى وضع حد للحرمان  من الحرية أو  إذا كانا ملزومين قانونا بالفصل في أجل محدد أو على سبيل الاستعجال.

يتم إعلام الجهة القضائية  التي أرسلت االدع بعدم الدستورية بقرار المحكمة العليا أو مجلس الدولة و يبلغ للأطراف في أجل عشرة أيام من تاريخ صدوره. إذا لم تفصل المحكمة العليا أو مجلس الدولة  في  أجل الشهرين  من تاريخ  استلامها قرار الإحالة  فإن الدفع بعدم الدستورية  يحال تلقائيا للمجلس الدستوري.

الإجراءات أمام المجلس الدستوري

إن المجلس الدستوري  الذي يستعد للفصل في القضايا  المتصلة بالدفع بعدم الدستورية   و الذي أضاف  إلى موقعه الإلكتروني صفحة  جديدة  بعنوان " الدفع بعدم الدستورية" سيصادق بلا شك على نظام  داخلي يحدد إجراءات  عمله عند فصله في  الدفع بعدم الدستورية و هو  النظام الداخلي الذي نصت عليه ضمنيا  المادة 22 من القانون العضوي المؤرخ في 2 سبتمبر 2018 .

عند إخطاره بالدفع بعدم الدستورية فإن المجلس الدستوري يعلم  فورا رئيس الجمهورية  كما يعلم رئيس مجلس الأمة و رئيس المجلس الشعبي الوطني و الوزير الأول  الذين يمكنهم توجيه ملاحظاتهم للمجلس الدستوري حول هذا الدفع.

 طبقا للمادة 189 الفقرة 2 من الدستور  فإن المجلس الدستوري  يصدر قراره  خلال الأشهر الأربعة التي تلي تاريخ إخطاره و يمكن  تمديد هذا الأجل مرة واحدة لمدة أقصاها أربعة أشهر بناء على قرار مسبب يبلغ إلى الجهة القضائي صاحبة الإخطار.

 جلسات المجلس الدستوري علنية   غير أنه يمكنه عقد جلسات سرية في الحالات  المحددة في نظامه الداخلي. يمكن للأطراف بواسطة محاميهم  و لممثل الحكومة  تقديم ملاحظاتهم  وجاهيا.

قرار المجلس الدستوري

بعد إخطاره بالدفع بعدم الدستورية  يمكن للمجلس الدستوري  إما التصريح  بمطابقة الحكم التشريعي للدستور  أو بالعكس التصريح  بعدم مطابقته للدستور.

في الحالة الأولى  فإن الحكم التشريعي يحتفظ بمكانه  في  النظام القانوني  الداخلي . تلزم حينئذ الجهة القضائية  المطروح أمامها الدعوى و صاحبة الإخطار بعدم الدستورية  تطبيق  هذا الحكم التشريعي مع الأخذ بعين الاعتبار  التحفظات التفسيرية التي يكون  قد أبداها المجلس الدستوري عند فصله في الدفع . قرار المجلس الدستوري يفرض كذلك  على كل السلطات العمومية و على كل السلطات الإدارية و القضائية.

في الحالة الثانية  التي يقضي فيها المجلس الدستوري بعدم مطابقة الحكم التشريعي للدستور  فإن هذا الحكم التشريعي يفقد كل آثاره  و يختفي من  النظام القانونية  . لترك الوقت الكافي للبرلمان  لتصحيح عدم دستورية  الحكم التشريعي الملغى فإنه يمكن للمجلس الدستوري  أن يقضي بأن النص التشريعي  الغير الدستوري يفقد أثره  لا  من   يوم صدور قرار المجلس الدستوري  و لكن ابتداء من اليوم الذي يحدده في هذا القرار  ( المادة 191 الفقرة 2 من الدستور).قرار المجلس الدستوري هو  قرار نهائي غير قابل لأي طعن .

 

Ajouter un commentaire

 

Date de dernière mise à jour : 24/11/2018

×