أوجه الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا على ضوء قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد

 قانون الإجراءات المدنية القديم الصادر في سنة 1966 كان ينص عن ستة أوجه للطعن بالنقض : عدم الاختصاص أو تجاوز السلطة، مخالفة أو إغفال قاعدة جوهرية في الإجراءات ، انعدام الأساس القانوني للحكم ، انعدام أو قصور أو تناقض الأسباب ، مخالفة أو خطأ في تطبيق القانون الداخلي أو قانون أجنبي متعلق بالأحوال الشخصية ، وتناقض الأحكام النهائية الصادرة من محاكم مختلفة ( المادة 233 ق.إ.م.).

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد الصادر في سنة 2008  أضاف إلى هذه الأوجه أوجه جديدة ليصل عددها إلى ثمانية عشر ، و هذا العدد الكبير لأوجه الطعن بالنقض راجع لسببين: بعض الأوجه التي كان يبنى عليها التماس إعادة النظر ( الحكم بما لم يطلب أو بأكثر مما طلب،السهو عن الفصل في أحد الطلبات ،تناقض في أحكام نهائية،و جود نصوص متناقضة في الحكم نفسه،عدم الدفاع عن عديمي الأهلية ) أصبحت أوجه للطعن بالنقض . من جهة أخرى فإن محرري قانون الإجراءات المدنية و الإدارية فضلوا تدقيق أوجه الطعن بالطعن خلافا لقانون الإجراءات المدنية القديم  الذي كان يتميز بتداخل هذه الأوجه ،فالوجه الأول مثلا كان يضم في نفس الوقت عدم الاختصاص و تجاوز السلطة ، و الوجه الرابع كان يضم  انعدام و قصور و تناقض الأسباب .و أما القانون الجديد فإنه أشار إلى كل وجه على حدا.

ت ضمن قانون الإجراءات المدنية و الإدارية وجهين جديدين و هما مخالفة الاتفاقيات الدولية و تحريف المضمون الواضح و الدقيق لوثيقة معتمدة في الحكم أو القرار.و أوجه الطعن التي  وردت في المادة 358 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية محددة على سبيل الحصر (1).و في الحالات التي يقبل فيها الطعن بالنقض ،فإنه يجوز رفعه مهما كانت قيمة النزاع.فالقانون لم يضع هنا حدودا كما فعل ذلك بالنسبة للاستئناف.

و سنعرض فيما يلي أوجه الطعن بالنقض الثمانية عشر حسب الترتيب الذي ورد في المادة 358 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.

1- مخالفة قاعدة جوهرية في الإجراءات ( المادة 358-1 ق.إ.م.إ.).

قانون الإجراءات المدنية القديم كان ينص عن وجه يضم في نفس الوقت مخالفة قاعدة جوهرية في الإجراءات  و إغفال قاعدة جوهرية في الإجراءات (المادة 233-1).فما هو عنصر التمييز؟ خلافا للوجه المأخوذ من إغفال قاعدة جوهرية في الإجراءات ، فإن الوجه المؤسس على مخالفة قاعدة جوهرية في الإجراءات يتعلق بالخصوص بالإجراءات السابقة للحكم.لذلك فإنه نادرا ما يكون هذا الوجه سببا للطعن بالنقض لأنه في أغلب الأحيان فإن بطلان هذه الإجراءات يصحح بسكوت الأطراف.و مع ذلك قد يكون هذا الوجه منتجا إذا كان الحكم الصادر نهائيا و غيابيا في نفس الوقت.ففي هذه الحالة فإن الخصم لم يتمكن من تصحيح البطلان لا صراحة و لا ضمنيا. و هكذا يمكن للمدعى عليه الغائب أن يجعل من بطلان التكليف بالحضور و الخبرة وجها للطعن بالنقض لأن غيابه حال دون تصحيح البطلان .و لكن إذا كان الشكل أو الإجراء المقرر هو من النظام العام ، فإنه يصح أن يكون بطلانه سببا للطعن بالنقض و يمكن حتى إثارة هذا البطلان تلقائيا من طرف المحكمة العليا.

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية نص هو كذلك على مخالفة قاعدة جوهرية في الإجراءات كوجه من أوجه الطعن بالنقض و لكن كوجه منفصل و مستقل عن إغفال الأشكال الجوهرية للإجراءات (2).

2-  إغفال الأشكال الجوهرية للإجراءات ( المادة 358-2 ق.إ.م.إ.).

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أراد التمييز بين المفهومين : "مخالفة قاعدة جوهرية في الإجراءات " و  " إغفال الأشكال الجوهرية للاجراءات  " فيما أنه كان من الممكن دمجهما في مفهوم واحد و هو " عدم احترام  قاعدة جوهرية في الإجراءات " علما أن " الأشكال الجوهرية للإجراءات " يؤدي نفس معنى " القواعد الجوهرية في الإجراءات ". التمييز بين المفهومين يكمن في عنصر العمد بمعنى أنه نكون أمام مخالفة قاعدة جوهرية في الإجراءات كلما عرض على القاضي  بطلان الإجراء و قضى هذا الأخير بعدم تأسيسه. و بالعكس فإن الإغفال يؤدي معنى " النسيان" أو " السهو " أي خطأ غير عمدي. فالقاضي هنا لم يراقب و لم يناقش الإجراء المشوب بالبطلان. و يتعلق الأمر على حد سواء بالإجراءات السابقة للحكم  أو بالإغفال المرتكب في الحكم نفسه.

عادة و كما هو الشأن بالنسبة لمخالفة قاعدة جوهرية في الإجراءات،و باستثناء حالات البطلان من النظام العام،فإن إغفال الأشكال الجوهرية في الإجراءات  السابقة للحكم لا تفتح الطعن بالنقض إلا في الحالة التي يكون فيها الحكم المطعون فيه قد صدر غيابيا.في حالة الحكم الحضوري فإن البطلان المرتكب قبل صدور الحكم يكون قد تم التنازل عنه ضمنيا إذا استمرت الخصومة دون إثارته.

و أما العيوب الجوهرية أو من النظام العام التي قد تشوب الحكم و التي يرتب عليها القانون البطلان ، فإنها تثار عن طريق الوجه المأخوذ من إغفال الأشكال الجوهرية في الإجراءات كون سبب هذه العيوب راجع لخطأ غير مقصود من القاضي.الحالات التي ينقض فيها الحكم لإغفال الأشكال الجوهرية للإجراءات هي عديدة و متنوعة . يكون الحكم مشوبا بهذا العيب ، ومن ثمة ينقض ، إذا صدر من قضاة لم يحضروا كل جلسات الدعوى ، أو لم يشر إلى اسم القضاة الذين شاركوا في المداولة ، أو إذا كانت الجهة القضائية غير مشكلة من العدد القانوني . يمكن كذلك إبطال القرار إثر الطعن بالنقض ، إذا لم ينطق به في جلسة علنية ، أو كان غير مسببا تسبيبا كافيا. و إغفال بعض البيانات في تحرير الحكم قد يترتب عليه البطلان و مع ذلك لا يترتب على  إغفال أو عدم صحة أحد البيانات المقررة  لصحة الحكم بطلانه إذا ثبت من وثائق ملف القضية  أو من سجل الجلسات أنه تم فعلا مراعاة القواعد القانونية ( المادة 283 ق.إ.م.إ.).

تضمن قانون الإجراءات المدنية و الإدارية بعض الطرق الأخرى لتصحيح الخطأ أو الإغفال الذي يشوب الحكم ، و مثال ذلك إمكانية الرجوع إلى نفس القاضي الذي أصدر الحكم بغرض تفسيره أو تصحيح أخطائه المادية المادتين 285 و 286 ق.إ.م.إ.).

3- عدم الاختصاص ( المادة 358-3 ق.إ.م.إ.).

جعل القانون من عدم الاختصاص وجها من الأوجه الذي يبنى عليه الطعن بالنقض و يجوز التمسك بعدم الاختصاص المطلق أو النوعي في أي وقت ، وحتى لأول مرة أمام المحكمة العليا  . وأما عدم الاختصاص النسبي أو الإقليمي  ، فلا يجوز التمسك به أمام المحكمة العليا إلا إذا سبق إبدائه أمام قاضي الدرجة الأولى و أمام المجلس وقضى فيه بالرفض . نكون هنا أمام مخالفة القانون . و مع ذلك فإن الاختصاص الإقليمي المانع الذي يعتبر من النظام العام يجوز إثارته في أي وقت و لو لأول مرة أمام المحكمة العليا.

4- تجاوز السلطة ( المادة 358-4 ق.إ.م.إ.).

يعتبر تجاوز السلطة وجها من الأوجه الذي يبني عليه الطعن بالنقض. قانون الإجراءات المدنية و الإدارية جعل من تجاوز السلطة وجها مستقلا عن الوجه المأخوذ من عدم الاختصاص، فيما أن قانون الإجراءات المدنية القديم جمعهما في  وجه وحيد. ما هي الحالات التي يكون فيها تجاوز السلطة متميزا عن عدم الاختصاص ؟ القضاء لم يقدم حلولا مرضية.

اختلف الشراح حول تعريف تجاوز السلطة . فحسب الرأي الأول يقع تجاوز السلطة في حالة تجاوز القاضي اختصاصات السلطة التشريعية أو التنفيذية أو السلطات الإدارية .هذا المفهوم لتجاوز السلطة يتماشى مع أحكام المادة 116 من قانون العقوبات التي تعاقب بالسجن لارتكابهم جريمة الخيانة ، القضاة الذين يتدخلون في أعمال الوظيفة التشريعية سواء بإصدار قرارات تتضمن نصوصا تشريعية أو بمنع وقف تنفيذ قانون أو أكثر  أو بالمداولة لمعرفة ما إذا كانت القوانين ستنشر أو تنفذ ، أو القضاة الذين يتجاوزون حدود سلطاتهم بالتدخل في القضايا الخاصة بالسلطات الإدارية سواء بإصدار قرارات في هذه المسائل  أو بمنع تنفيذ الأوامر الصادرة من الإدارة  أو الذين يصرون بعد أن يكونوا قد أذنوا أو أمروا بدعوة رجال الإدارة بمناسبة قيامهم بمهام وظائفهم على تنفيذ أحكامهم أو أوامرهم بالرغم من تقرير إلغائها .

في هذا الرأي ، يوجد عدم الاختصاص في كل الحالات التي يرفع فيها الطلب إلى محكمة ليست المحكمة التي عينها القانون ، ويوجد تجاوز للسلطة عندما يقع مساسا لمبدأ الفصل بين السلطات. قدم القضاء الفرنسي أمثلة عديدة لحالة تجاوز السلطة ، نذكر منها الفصل بصفة عامة وتنظيمية ، إبطال أوامر صادرة من الإدارة أو منع تنفيذها ، نقد عمل من أعمال الحكومة أو الإدارة أو النيابة العامة ، نقد القانون ، توجيه أوامر للسلطات الإدارية أو للنيابة العامة.

 أما الرأي الثاني ، فيعطى لتجاوز السلطة مفهوما أوسع ، إذ يكون كذلك حسب هذا الرأي كلما خرج القاضي عن النطاق المحدد للقضاة عموما وأسند لنفسه صلاحيات لا تتمتع بها السلطة القضائية ، أي فعل لا يجوز لأي قاض أن يفعله. في هذه النظرية ، يوجد عدم اختصاص إذا فصل القاضي في نزاع مسند لقاض ٱخر ، وتجاوز السلطة إذا قام بعمل لا يدخل في سلطات أي قاض . نكون أمام تجاوز السلطة مثلا إذا أوقف القاضي الفصل في الدعوى دون سبب شرعي  ،أو إذا حكم  على طرف لم يكلف بالحضور ، أو وجه انتقادات لشاهد .

أما المحكمة العليا ، فلقد أخذت بالرأي الذي يعطي لتجاوز السلطة مفهوما واسعا. فبعد أن اعتبرت أن المساس بمبدأ الفصل بين السلطات يشكل تجاوزا في السلطة (3) ، فإنها قضت بنقض الحكم للتجاوز في السلطة في الحالة التي أضاف القاضي للقانون نصوصا لم ينص عليه (4). أو إذا قضي بأن الطعن الأول المرفوع أمام المحكمة العليا من أجل الإحالة للشبوهات المشروعة أصبح بدون موضوع (5) ،أو إذا لم  يطبق حكم الإحالة فيما يتعلق بالمسائل القانونية التي قطعت فيها المحكمة العليا (6) ، أو إذا حكم  على الولاية بدفع غرامة تهديدية في نزاع مدني (7)، كما اعتبرت المحكمة العليا أن نقض أو تعديل العقد المبرم بين الطرفين يعد تجاوز في السلطة (8) .

قبل التعديل الذي أدخل على قانون الأسرة في مسألة إثبات النسب بالطرق العلمية،  فإن المحكمة العليا اعتبرت أن الحكم القاضي بإجراء خبرة طبية قصد تحليل الدم للوصول إلى تحديد نسب الولد يعد تجاوزا للسلطة و تدخلا في اختصاص السلطة التشريعية، كون المادة 40 القديمة من قانون الأسرة حددت بدقة و بصفة حصرية طرق إثبات النسب و أن تحليل الدم لم ينص عليه (9).

يلاحظ أن المحكمة العليا ، إذا كانت كثيرا ما تقضي بالنقض لتجاوز السلطة ، إلا أنها لم تقدم تعريفا لهذا المفهوم ، مما أدى بها إلى توسيع هذا الوجه على حالات قد لا تدخل في التعريف التقليدي لتجاوز السلطة . ويظهر تردد المحكمة العليا في هذا المجال في بعض قراراتها التي قضت فيها بالنقض على أساس كلا من تجاوز السلطة وعدم الاختصاص (10) ، وعلى أساس كلا من تجاوز السلطة ومخالفة القانون ( 11) دون تمييز بين الوجهين. ذهبت المحكمة العليا إلى أبعد من ذلك ، حينما اعتبرت خرق حق الدفاع بمثابة تجاوزا في السلطة (12). هذه الحلول التي قدمتها المحكمة العليا غير مقنعة وقابلة للنقاش . فمخالفة حق الدفاع ، أو عدم مراعاة القواعد الجوهرية في الإجراءات ليست تجاوزا في السلطة بمفهومه القانوني . إنها مخالفة للأشكال أو مخالفة للقانون بغض النظر عما إذا كانت من النظام العام أم لا . فالقانون المنظم للمحكمة العليا ميز بالتدقيق بين مخالفة القانون ، ومخالفة القواعد الجوهرية في الإجراءات وعدم الاختصاص وتجاوز السلطة ، فلا يجوز الخلط بينهم .

5- مخالفة القانون الداخلي ( المادة 358-5 ق.إ.م.إ.).

مخالفة القانون الداخلي من أهم حالات الطعن بالنقض . وحتى يكون ثمة مخالفة للقانون ، يجب أولا أن يكون القانون المدعى مخالفته ساري المفعول . يجب كذلك أن يكون هذا القانون قد ألزم القاضي بتطبيق قواعد معينة . ويجب أخيرا أن تقع مخالفة القانون في منطوق الحكم أو القرار . فالأسباب الغير الصحيحة لا تؤثر على الحكم إذا كان منطوقه مطابق للقانون . أما انعدام أو قصور الأسباب فيشكلان وجه من أوجه الطعن بالنقض دون الأسباب الخاطئة.

مهما كانت الأخطاء الفقهية المرتكبة في الأسباب ، يرفض الطعن بالنقض إذا كان القضاء الذي نهجته الجهة القضائية مبررا بالنظر إلى الوقائع المستخرجة من الحكم أو القرار ، أو بالنظر إلى الأسباب القانونية الأخرى التي تضمنها هذا الحكم أو القرار  . و ذهبت المحكمة العليا إلى أبعد من هذا حينما قضت ، لتبرير منطوق الحكم المطعون فيه ، بأنه يجوز لها إثارة سبب قانوني محض لم يثره قضاة الموضوع ، على شرط أن يكون هذا السبب مرتكزا على العناصر من الواقع المستخرجة من الإجراءات والحكم المطعون فيه (13) .

أما الخطأ في تطبيق القانون الداخلي ، فإنه لا يشكل وجها للطعن بالنقض إلا إذا ترتب عليه مخالفة قانون ما . فالخطأ في تطبيق مبدأ من المبادئ القانونية  لا يشكل وجه من أوجه الطعن بالنقض إذا كان هذا المبدأ غير مكتوب في أي قانون .

و عيب مخالفة القانون الذي يبنى عليه الطعن بالنقض فإنه يتضمن طبعا التفسير السيئ للقانون . فإذا كان القانون غامضا أو ناقصا ، يرجع للقضاة تحديد معناه ومداه تحت مراقبة المحكمة العليا التي كلفت بتوحيد تفسير القانون . فالتفسير الغير السليم للقانون يعد بمثابة مخالفة في تطبيق القانون .

سواء تعلق الأمر بالقواعد المتصلة بالموضوع أو بالقواعد المتصلة بالشكل ، عندما نتكلم عن الخطأ في تطبيق القانون الداخلي كوجه يبنى عليه الطعن بالنقض ، فإن كلمة " قانون " تؤخذ بمعناها الواسع ، وتتضمن الأوامر ، و المراسيم ، والقرارات السارية المفعول ، إلى جانب طبعا القوانين بحصر المفهوم . المناشير الإدارية لا تكون إلزامية إلا بالنسبة للأعوان الموجهة لهم ، ومخالفتها من طرف المحاكم لا يشكل وجها للطعن بالنقض . في مجال شؤون الأسرة ، فإن مخالفة قواعد الشريعة الإسلامية يعد بمثابة مخالفة للقانون الداخلي فهو وجه للطعن بالنقض (14).

6- مخالفة القانون الأجنبي المتعلق بقانون الأسرة ( المادة 358-6 ق.إ.م.إ.).

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية مدد القاعدة التي نصت عليها المادة 233 من قانون الإجراءات المدنية القديم.ليكون ثمة مجالا للطعن بالنقض ، يجب أن يتعلق الأمر بمخالفة قانون الأسرة.فلو تعلق الأمر بنزاع لا يحكمه قانون الأسرة ، فإن مخالفة أو سوء تفسير قانون أجنبي لا يكون سببا للطعن بالنقض. و لكن إذا رفض قضاة الموضوع تطبيق  القانون الأجنبي الذي كان هو المختص حسب القواعد الوضعية لتسوية تنازع القوانين (المادة 9 من القانون المدني) ،فإن المحكمة العليا تمارس رقابتها إذ نكون هنا أمام حالة مخالفة القانون الداخلي.و أما إذا اعتبر قضاة الموضوع ، على حق ، أن القانون الأجنبي هو الذي يجب تطبيقه ، فلا يجوز للمحكمة العليا ممارسة رقابتها على التفسير الذي أعطاه هؤلاء القضاة لهذا القانون.

يجب إذا بالنسبة  للمنازعات غير منازعات شؤون الأسرة التمييز بين رفض تطبيق القانون الأجنبي الذي يشكل مخالفة للقانون الداخلي ، و خرق أو سوء تفسير قانون أجنبي الذي لا يشكل سوى " قضاء سيء" لا يفتح الطعن بالنقض. و لا يجب كذلك الخلط بين القانون الأجنبي  الذي تحكمه القواعد السالفة الذكر و الاتفاقيات الدولية إذ أن مخالفة هذه الأخيرة يشكل وجها مستقلا للطعن بالنقض.

7- مخالفة الاتفاقيات الدولية ( المادة 358-7 ق.إ.م.إ.).

الاتفاقيات الدولية عندما يصادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور تسمو على القانون الداخلي ( المادة 132من الدستور) ، و من ثمة فإن مخالفتها يشكل سببا للطعن بالنقض. اعتبرت المحكمة العليا مثلا أن القرار الذي قضى بالإكراه البدني هو قرار مشوب بمخالفة المادة 11 من الاتفاقية الدولية  المؤرخة في 16 ديسمبر 1966  الخاصة بالحقوق المدنية و السياسية  التي تمنع الإكراه البدني في المواد المدنية.

8- انعدام الأساس القانوني( المادة 358-8 ق.إ.م.إ.).

في بعض الحالات تقضي المحكمة العليا بنقض أحكام أو قرارات لانعدام الأساس القانوني .لا يتعلق الأمر هنا بمخالفة القانون بمعناه الدقيق   ، لأنه ربما يكون قد طبق بصفة سليمة ، ولكن ما يعاب على الحكم المطعون فيه هو أنه ارتكز على نص قانوني لا تبرره المعاينات الواردة في هذا الحكم . ولا يتعلق الأمر كذلك بانعدام الأسباب ، لأن الحكم مسببا ، ولكن هذه الأسباب لا تسمح بمعرفة ما إذا كان الحكم المطعون فيه مؤسسا من الناحية القانونية .

الحالات التي تقضي فيها المحكمة العليا بالنقض لانعدام الأساس القانوني كثيرة ومتنوعة . ولكن ما يميز كل هذه الحالات هو أن الحكم أو القرار معيب بعرض غير كامل للوقائع بحيث يستحيل البحث فيما إذا كان القانون قد طبق بصفة سليمة أم لا.

نكون أمام انعدام الأساس القانوني مثلا إذا كان الحكم المطعون فيه خاليا من الوقائع التي ارتكز عليها لتطبيق نص قانوني ،كأن يقضي بأن المدعى عليه مسئول دون تبيان الظروف التي أنشأت هذه المسؤولية، أو الذي يقضى بأن شخص له صفة التاجر دون معاينة وجود العناصر المنشئة لهذه الصفة .و نفس الشيء إذا سهي الحكم المطعون فيه تعيين أحد العناصر الضرورية  لتبرير تطبيق نص قانوني كحالة الحكم الذي يقضي بوجود خطأ و ضرر دون معاينة العلاقة السببية  التي تربطهما .و يكون القرار المطعون فيه  كذلك معيب بانعدام الأساس القانوني إذا أشار إلى واقعة  دون توضيح كاف الشيء الذي يحول دون تمكين المحكمة العليا من ممارسة رقابتها على تطبيق القانون، أو إذا تضمن أسباب غير مجدية  أبقت المسائل المتنازع عليها قائمة ، أو أنه لم يفحص ادعاءات طرف كان من شأنها تعديل الحكم لو صحت.

9- انعدام التسبيب( المادة 358-9 ق.إ.م.إ.).

حسب المادة 277 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية: " لا يجوز النطق بالحكم إلا بعد تسبيبه،و يجب أن يسبب الحكم  من حيث الوقائع و القانون ، و أن يشار إلى النصوص المطبقة ".المحكمة العليا تطبق مبدأ إلزامية تسبيب الأحكام بصرامة.و العيب المتصل بالأسباب  يأخذ عدة صور. فقد يتعلق الأمر بانعدام التسبيب أو بالقصور في التسبيب  أو بالتناقض بين التسبيب أو أخيرا بتناقض التسبيب مع المنطوق.المادة 358 من  قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أشارت إلى كل هذه العيوب باستثناء التناقض في التسبيب.

انعدام التسبيب يعني الغياب الكلي للتسبيب.و حسب المحكمة العليا فإن  القرار الذي لا يستجيب  لكل ما قدم من أدلة في الدعوى وما أبدي من طلبات ودفوع يكون مشوبا بعدم التسبيب (15).يكون القرار مشوبا بعدم التسبيب مثلا ، إذا لم ينظر قضاة الموضوع في جميع الأوجه التي يقدمها الطرفان لقبولها أو رفضها (16)  ، أو إذا لم يناقشوا الدفع بحجية الشيء المقضي فيه بالقبول أو بالرفض ( 17).

و يعتبر كذلك كانعدام التسبيب الحكم الذي يحتوي على تسبيب شكلي  كالحكم الذي يشير إلى مستندات دون فحصها  ، أو الذي بني كلية على حكم ٱخر  لا يخص نفس النزاع و نفس الأطراف.و يعتبر كذلك كانعدام التسبيب عدم الإجابة على مذكرات الأطراف ، كما أن تناقض التسبيب قد يشكل انعدام التسبيب كون الأسباب المتناقضة تزيل بعضها البعض.

10- قصور التسبيب ( المادة 358-10 ق.إ.م.إ.).

حسب عبارات المحكمة العليا فإن " القرار الذي لا تكفي أسبابه لمواجهة ما قدم من أدلة في الدعوى و ما أبدي من طلبات و دفوع يكون مشوبا بالقصور في التسبيب " (18). هذا التعريف يقترب نوعا ما من تعريف الوجه المأخوذ من  انعدام الأساس القانوني. في كلتا الحالتين فإن القرار المطعون فيه يتميز باحتوائه أسباب غامضة و غير كافية لا تمكن المحكمة العليا من ممارسة رقابتها.ونظرا لهذا التداخل بين الوجهين ، فلا شك أنه قد يقع خلط في تشخيصهما أثناء الطعن بالنقض.

التمييز بين القصور في التسبيب ( أو انعدام التسبيب)  و انعدام الأساس القانوني له أهمية لأن الأول يعتبر عيب في الشكل كون إلزامية التسبيب المنصوص عليها في المادة 277 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية يعتبر من الأشكال الجوهرية للأحكام ،فيما أن انعدام الأساس القانوني هو عيب في الموضوع . لذلك فإن قرارات النقض للقصور في التسبيب تصدر على أساس المادة 277 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية فيما أن قرارات النقض لانعدام الأساس القانوني  تصدر على أساس النص القانوني الذي لم يطبقه قضاة الموضوع تطبيقا صحيحا.  

و التمييز بين الوجه المأخوذ من قصور التسبيب ( أو انعدام التسبيب) و الوجه المأخوذ من انعدام الأساس القانوني له  كذلك فائدة بالنسبة لٱثار قرار النقض على الجهة القضائية المحال إليها القضية بعد النقض.فيما أن قرار النقض المبني على قصور التسبيب (أو انعدام التسبيب) لا يتطرق للمسائل القانونية التي يثيرها النزاع بل يعاين فقط نقص التسبيب ، فإن قرار النقض المبني على انعدام الأساس القانوني يتطرق للموضوع و للقانون كما أنه يتضمن الإشارة إلى النقاط التي كان على قضاة الموضوع التطرق لها ، فهذا القرار  يحتوي توجيهات للقضاة المحال إليهم القضية بعد النقض .

11- تناقض التسبيب مع المنطوق( المادة 358-11 ق.إ.م.إ.).

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية اعتبر الوجه المأخوذ من تناقض التسبيب مع المنطوق كوجه مستقل عن انعدام التسبيب و قصور التسبيب. قانون الإجراءات المدنية القديم لم ينص على هذا الوجه، و لكن المحكمة العليا اعتبرت في ظل هذا التشريع القديم أن تناقض التسبيب مع المنطوق هو بمثابة عيب انعدام الأسباب (19). و أما إذا تناقضت أسباب الحكم مع بعضها و تناقضت أيضا مع منطوقه ،   فإن ذلك يشكل حسب المحكمة العليا انعدام التسبيب (20).

و إذا كان التناقض راجع لخطأ مادي أو لإغفال ، فلا يكون ثمة مجالا للبطلان و لكن يمكن فقط طلب تصحيح هذا الخطأ ضمن الإجراءات المقررة في المادة 286 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  .

 

12- تحريف المضمون الواضح و الدقيق لوثيقة معتمدة في الحكم أو القرار( المادة 358- 12 ق.إ.م.إ.).

إن المحكمة العليا هي قبل كل شيء محكمة قانون و ليست درجة ثالثة للتقاضي ،و لذلك  قد يصعب تعيين  الحالات التي يمكن فيها للمحكمة العليا نقض حكم أو قرار على أساس الوجه المأخوذ من  تحريف مضمون وثيقة معتمدة في الحكم  كون هذه المسألة هي مبدئيا مسألة من الواقع.و لكن من جهة أخرى فإنه من الصعب  التمييز بين الواقعة و القانون و الحد الذي يفصل بينهما يبقى غامضا . هذا و أن رقابة القانون يكون في أغلب الأحيان مرهونا بالتطرق إلى الواقع . فدور قاضي الموضوع هو تقدير القانون تقديرا صحيحا  بالنظر إلى وقائع الدعوى و مراقبة التكييفات القانونية المستعملة في الخصومة.

و في هذا الإطار قد تستدعى المحكمة العليا إلى نقض قرار بسبب تحريفه للمضمون الواضح و الدقيق للوثيقة التي اعتمد عليها.و هذا التحريف قد يخص  عقد أو مذكرة أحد الخصوم أو إجراء من إجراءات الخصومة. قانون الإجراءات المدنية القديم لم ينص على هذا الوجه  ،و مع ذلك كثيرا ما كانت المحكمة العليا تنقض قرارات على أساس تحريف مضمون وثائق قدمت أثناء الدعوى .وكانت المحكمة العليا تنبني قراراتها في هذا المجال تارة على انعدام الأساس القانوني و تارة أخرى على القصور في التسبيب.

13- تناقض أحكام أو قرارات صادرة في ٱخر درجة ( المادة 358-13 ق.إ.م.إ.).

يشكل تناقض أحكام أو قرارات صادرة في ٱخر درجة سببا من أسباب الطعن بالنقض عندما تكون حجية الشيء المقضي فيه قد أثيرت بدون جدوى. هذه الحالة هي الحالة التقليدية. إنها تفترض وجود تناقض بين حكمين متناقضين و أن الطرف الذي يريد تقديم الطعن بالنقض تمسك بدون جدوى أمام قضاة الموضوع بعدم قبول الدعوى لسبق الفصل فيها.الطعن هنا يوجه ضد ٱخر حكم من حيث التاريخ.و إذا تأكد التناقض فإن الحكم الأخير هو الذي ينقض ( نقض بدون إحالة) و يتم تأييد الحكم الأول.

التناقض في الأحكام الذي يشكل وجها من أوجه الطعن هو التناقض الحاصل في دعاوى تتعلق بنفس الأطراف. فإذا صدرت الأحكام بين أطراف مختلفين، فإنه لا يقبل الطعن بالنقض ارتكازا على هذا الوجه (21).و يفترض القانون أن  يكون هؤلاء الأطراف قد رافعوا في المرحلتين بنفس الصفة.فمثلا إذا  باشر الولي الخصومة باسمه الشخصي و المرة الثانية باسم القاصر ، لا يكون ثمة تناقض في الأحكام بمفهوم المادة 358/13 .

يجب إضافة إلى ذلك أن تكون الأحكام المتناقضة  قد فصلت في طلبات مماثلة من حيث المحل و السبب ، و هذا ما قصدته المادة 358/13 بعبارة  : "عندما تكون حجية الشيء المقضي فيه  قد أثيرت بدون جدوى ".يجب باختصار أن تتوفر شروط المادة 338 من القانون المدني بحيث يمكن الاحتجاج بالشيء المقضي فيه .

و يجب من جهة أخرى أن تكون الأحكام أو القرارات صادرة في ٱخر درجة، أي تكون غير قابلة للطعن العادي إما بسبب ممارسة هذا الطعن و إما بسبب عدم جوازه.فإذا حاز الحكم قوة الشيء المقضي فيه دون الطعن فيه ، كأن يحوز هذا الطابع بسبب فوات أجل الإستئناف، أو قبول الخصم ،أو سقوط الدعوى ،فإنه لا يمكن تأسيس الطعن بالنقض على المادة 358/13 بل نكون هنا أمام وجه ٱخر للطعن بالنقض ، و هو الوجه المأخوذ من تناقض أحكام غير قابلة  للطعن العادي  المنصوص عليه في المادة 358/14من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.

14- تناقض أحكام غير قابلة للطعن العادي ( المادة 358-14 ق.إ.م.إ.).

يختلف هذا السبب عن السبب السابق.يفترض هنا أنه يوجد حكمين متناقضين كلاهما غير قابل للطعن العادي.المادة 358/14 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تجيز الطعن بالنقض حتى و إن كان الحكمين أو أحدهما ليس صادرا في ٱخر درجة ، و حتى و لو كان أحدهما موضوع طعن بالنقض سابق انتهى بالرفض. و يفهم من عبارة " حكمين متناقضين" أن يكون تنفيذهما في نفس الوقت مستحيلا ، حتى و إن اختلف أطراف هذين الحكمين.

 القواعد المطبقة على هذه الحالة تختلف عن القواعد التي تطبق عادة على الطعن بالنقض.يمكن رفع الطعن بالنقض حتى بعد انقضاء أجل الشهرين المنصوص عليه في المادة 354 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية . يوجه الطعن ضد الحكمين ، و إذا تأكد التناقض فإن المحكمة العليا تقضي بإلغاء أحد الحكمين أو الحكمين معا.

 قانون الإجراءات المدنية القديم كان ينص هو كذلك على تناقض الأحكام و لكن كان يميز بين حالة تناقض الأحكام النهائية الصادرة من محاكم مختلفة ، و الحالة التي يوجد فيها تناقض في أحكام نهائية صادرة بين نفس الأطراف و بناء على نفس الأسانيد ،من نفس الجهات القضائية . فالحالة الأولى كانت تشكل وجها من أوجه الطعن بالنقض (م.233/6 ق.إ.م.)، و أما الحالة الثانية فإنها كانت شكل وجها من أوجه التماس إعادة النظر (م.194/7 ق.إ.م.). قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أخضع كلا الوجهين للطعن بالنقض سواء صدر الحكمين المتناقضين من نفس الجهات القضائية أم من جهات قضائية مختلفة.

15- وجود مقتضيات متناقضة ضمن منطوق الحكم أو القرار( المادة 358-15 ق.إ.م.إ.).

لا يعتبر هذا الوجه مؤسسا إلا إذا كان التناقض مرتبط بالمنطوق إذ رأينا ان تناقض التسبيب مع المنطوق يشكل وجها مستقلا (م.358/11 ق.إ.م.إ.).و أما التناقض في التسبيب فإنه يعتبر  كانعدام التسبيب.نكون أمام تناقض بمفهوم  المادة 358/15 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية إذا استحال تنفيذ مقتضيات منطوق الحكم في نفس الوقت.

16- الحكم بما لم يطلب أو بأكثر مما طلب( المادة 358-16 ق.إ.م.إ.).

هذا السبب كان يشكل في قانون الإجراءات المدنية القديم وجها من أوجه التماس إعادة النظر (م.194/2 ق.إ.م.). طبيعة "الحكم بما لم يطلب" هي نفسها طبيعة "الحكم بأكثر مما طلب" . لا يوجد بينهما إلا اختلاف في الدرجة . يقضي الحكم بما لم يطلب إذا منح مثلا فوائد في حين أن الخصم اقتصر على طلب رأس المال ، أو إذا أمر بالتنفيذ المعجل لم يطلبه المحكوم له . ويقضي الحكم بأكثر مما طلب إذا منح مبلغا يفوق المبلغ الذي طلبه الدائن ، أو إذا أقر ملكية المدعي الذي ادعى أنه منتفع فقط .

 لا يعتبر بمثابة الحكم بما لم يطلب إذا اتخذت المحكمة تدابير يحق لها اتخاذها تلقائيا ، أو إذا فصلت في مسألة طلبها الأطراف ضمنيا في مذكراتهم.وقد يكون الحكم مشوب في نفس الوقت بعيب الحكم بما لم يطلب أو بأكثر مما طلب و عيب ٱخر كانعدام الأسباب ،و مثال ذلك إذا فصل القاضي في شيء لم يطلبه الخصم دون تسبيب ذلك.

 لا يجب هنا الخلط بين  عيب  الحكم بما لم يطلب أو بأكثر مما طلب و الحالة التي تقضي فيها المحكمة بشيء يمنعه القانون ، كالحكم بالإكراه البدني في مادة يمنع فيها الإكراه البدني ،ففي هذه الحالة يجب تأسيس الطعن بالنقض على مخالفة القانون.

17- السهو عن الفصل في أحد الطلبات الأصلية( المادة 358-17 ق.إ.م.إ.).

  هذا الوجه كان منصوص عليه في المادة 194/2  قانون الإجراءات المدنية القديم كوجه من أوجه التماس إعادة النظر . المادة 194/2 القديمة كانت تشير إلى " السهو عن الفصل في أحد الطلبالذي كان يقابله في النص الفرنسي s’il a été omis de statuer sur un chef de demande .المادة 358/17 الجديدة من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تتكلم عن " السهو في الفصل في أحد الطلبات الأصلية ". و إذا كان النص الأصلي بالعربية يتكلم عن "أحد الطلبات الأصلية " ، فإن النص الفرنسي استعمل العبارة التي كانت تتضمنها المادة 194/2 من قانون الإجراءات المدنية القديم أي " أحد الطلبات" "  chef de demande التي يقابلها في ترجمتها الصحيحة  "جزء من الطلب ".

فما الذي قصده المشرع من استعماله لعبارة "  الطلبات الأصلية " في المادة 358-17 الجديدة ؟ القانون القضائي يميز بين عدة أنواع من الطلبات.فإلي جانب الطلب الأصلي الذي يعبر عن الطلب الذي يقدمه المدعي في عريضة افتتاح دعواه ، فإنه توجد أنواع أخرى من الطلبات تقدم أثناء سير الخصومة ، كالطلبات العارضة لا سيما الطلبات الإضافية و الطلبات المقابلة.قانون الإجراءات المدنية و الإدارية استعمل مصطلح " طلب أصلي" لتمييزه عن الطلب الإضافي و المقابل في عدة نصوص ( مثلا المادتين 25 و 343).

 كون المادة 358/17 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية استعملت عبارة " أحد الطلبات الأصلية " ، فهل يعني ذلك أن الوجه المأخوذ من السهو عن الفصل يخص فقط هذا النوع من الطلبات دون الطلبات الأخرى لاسيما الإضافية و المقابلة؟ فمثلا إذا قدم المدعى عليه  طلبا مقابلا و لم يجب عليه القاضي ، أو أنه في الاستئناف سهي المجلس عن الإجابة و الفصل في طلب جديد ( في الحالات التي يجيز القانون ذلك) ، فهل يمنع تأسيس الطعن بالنقض على السبب المأخوذ من السهو عن الفصل باعتبار أن هذا السهو لا يتعلق بطلب أصلي و لكن بطلب عارض؟ المادة 358/17 توحي بذلك كونها أشارت صراحة إلى " أحد الطلبات الأصلية".و لكن في هذه الحالة كيف يتم تصحيح  الخطأ علما أن السهو عن الفصل في أحد الطلبات حتى و لو تعلق الأمر بطلب إضافي أو مقابل يشكل عيب من العيوب الأساسية التي يرتب القانون عليها البطلان .قد يتداخل عيب السهو عن الفصل  مع عيب انعدام الأسباب أو مخالفة القانون و حينئذ يمكن تأسيس الطعن بالنقض على هذين الوجهين الأخيرين ، و لكن يحدث أن يكون الحكم مشوبا فقط بعيب السهو عن الفصل في طلب.المشرع حينما أشار إلى عيب السهو عن الفصل في طلب كوجه مستقل ، فإنه اعتبره وجها يختلف من حيث الطبيعة عن باقي أوجه الطعن بالنقض.فكيف يسوى إذا هذا الإشكال؟

 نعتقد أن الأمر يتعلق فقط بارتباك في المفاهيم القانونية و أن ما قصده المشرع هو تطبيق القاعدة على كل الطلبات التي سهي الفصل فيها ، سواء تعلق الأمر بالطلبات الأصلية بمفهومها القانوني الضيق أي الطلبات المقدمة في عريضة افتتاح دعوى المدعي ، أو الطلبات الأخرى التي تقدم أثناء سير الخصومة من طرف الخصوم.و ما يدعم هذا الطرح هو موقف رئيس اللجنة التي أشرفت على إعداد  قانون الإجراءات المدنية و الإدارية إذ اعتبر أن الطلبات المقصودة في نص المادة 358/17 هي "  تلك التي تتجلى من منطوق العرائض و المذكرات النهائية   للخصوم " (22) ، أي كل الطلبات المقدمة أثناء سير الدعوى سواء الصادرة من المدعي ( طلبات أصلية أو إضافية) أو المدعى عليه (طلبات مقابلة).هذا و أن النص المترجم إلى الفرنسية و الذي شمل الطلبات دون تمييز على غرار ما كان عليه الحال في المادة 194/2 القديمة ، يؤكد هو كذلك ما استنتجناه في هذه المسألة.

قد يحصل كذلك أن يتضمن الطلب عدة أجزاء كالطلب الرامي إلى تحميل المدعى عليه مسؤولية الحادث مع طلب إلزامه بمبلغا ماليا على سبيل التعويض.فإذا فصل القاضي في الجزء الأول من هذا الطلب بتثبيت المسؤولية ، و سهي الفصل في طلب التعويض فهل نكون أمام عيب السهو عن الفصل في أحد الطلبات ؟ لا شك أن ذلك يشكل سببا للطعن بالنقض بعنوان المادة 358/17 علما أن النص الفرنسي لهذه المادة و الذي قلنا أنه تضمن الصيغة الصحيحة تتكلم  عن السهو عن الفصل في "جزء من الطلب ".

 يفتح الطعن بالنقض بعنوان السهو عن الفصل  كذلك إذا رفع استئناف أمام المجلس القضائي موجه  ضد حكمين صادرين في نفس القضية و لم يفصل سوى في أحدهما، أو إذا سهي قاضي الاستئناف الفصل في الاستئناف الفرعي.و لكن لا نكون أمام سهو عن الفصل إذا تطرق القاضي في منطوقه إلى كل أجزاء الطلب و لكن دون تسبيب بعضها، ففي هذه الحالة يفتح الطعن بالنقض لانعدام التسبيب.

و لا يشكل غموض الحكم أو أخطائه المادية سهوا عن الفصل ، بل يمكن هنا فقط طلب تفسير أو تصحيح الحكم .و السهو عن الفصل يستوجب خروج الخصومة من ولاية القاضي.

18- عدم الدفاع عن ناقصي الأهلية( المادة 358-18 ق.إ.م.إ.).

يجوز الطعن بالنقض في الحكم "إذا لم يدافع عن ناقصي الأهلية ". قد يتعلق الأمر  بالحالة التي لم يدافع فيها عن ناقص الأهلية ، مثلا إذا تغيب ممثل ناقص الأهلية للجلسة ولم يعارض في الحكم الصادر غيابيا . و قد يتعلق الأمر كذلك بالحالة التي  تم الدفاع عن ناقص الأهلية و لكن بصورة غير صحيحة أو مخالفة للقانون ، و مثال ذلك الولي الذي لم يطلب مسبقا إذن القاضي لرفع دعوى عقارية (23 ).  ونعتقد أنه يمكن تمديد نص المادة 358/18  إلى حالة عدم الدفاع عن عديمي الأهلية بصورة مرضية ، كأن يغفل الولي عن تقديم أسانيد قاطعة أثناء سير الدعوى .نعتقد كذلك أن المادة 358/18   يستفيد منها فاقد الأهلية وناقصها على حد سواء بسبب نص المادة 81 من قانون الأسرة التي تخضعها لنفس النظام .

  

الهوامش

 

 

      القرارات  الــمشار إليها في الهوامش صدرت عـن المحكمة العليا و نشرت إما في المجــلات الــقديــمة ( نشرة القضاة - ن.ق-  ، مجلة الاجتهاد القضائي - إ.ق.- ، النشرة السنوية للعدالة – ن.س.ع.- ، مجموعة الأحكام للمحكمة العليا – م.أ.- ) وإما في المجلات الحالية ( مجلة المحكمة العليا – م.م.ع. ، المجلة القضائية – م.ق. ، نشرة القضاة – ن.ق. -).

مثال : غ.م.،31 مارس 1982 ،ملف رقم 22743،م.ق.26.2.1989. معناه : قرار صادر عن الغرفة المدنية للمحكمة العليا مؤرخ في 31 مارس 1982 ملف رقم 22743 المنشور بالمجلة القضائية الصادرة عن المحكمة العليا لسنة 1989 العدد 2 الصفحة 26.

____________

غ.ق.خ. = غرفة القانون الخاص

غ.إ. =الغرفة الاجتماعية

غ.ت.ب. = الغرفة التجارية و البحرية

غ.أ.ش. =غرفة الأحوال الشخصية

ق.إ.م. = قانون الإجراءات المدنية

ق.إ.م.إ. = قانون الإجراءات المدنية و الإدارية

 

 

 

 

( 1) غ.م.،31 مارس 1982 ،ملف رقم 22743،م.ق.26.2.1989.

2) نص المادة 358 المطتين 1 و2 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية استعمل مصطلحين مختلفين رغم أنهما يؤديان نفس المعنى : مخالفة " قاعدة جوهرية في الإجراءات " و إغفال " الأشكال الجوهرية للإجراءات"  فيما أن النص المترجم للفرنسية استعمل نفس المصطلح.

Violation des formes substantielles de procéder et omission des formes substantielles de procéder.

(3) غ.ق.خ.،9 أبريل 1975،قرار رقم 19171،ن.ق.127.1980.

(4) غ.ق.خ.،7 ديسمبر 1966،ن.ق.51.7.1967.

(5) غ.ق.خ.،29 نوفمبر 1967، ن.ق.35.1.1968.

(6)غ.ت.ب.،12 مارس 1983،ملف رقم 23713،إ.ق.165.1986,

(7)غ.إ.، 27 يونيو 1983، ملف رقم 18881، م.ق.185.1.1989.

(8)غ.إ.،7 فبراير 1983،ملف رقم 29500،م.ق.195.1.1989.

(9) غ.أ.ش.،15 يونيو 1999،ملف رقم 222674،م.ق.126.1.1999.

(10) غ.إ.، 27 يونيو 1983،ملف رقم 28881، م.ق.185.1.1989 ( الحكم على الولاية بغرامة تهديدية من طرف المجلس القضائي حال فصله في القضايا المدنية يشكل تجاوز السلطة و عدم الاختصاص).

(11) غ.إ.، 7 فبراير 1983،ملف رقم 29500،م.ق.165.1.1989 ( نقض أو تعديل عقد من طرف الجهة القضائية يعد خرقا للقانون و تجاوزا للسلطة).

     (12) غ.ق.خ.،2 ديسمبر 1966،ن.س.ع.1966-1967.  260.

(13) غ.ق.خ.،3 مارس 1966،ن.س.ع.1966-1967. 364.

(14) غ.أ.ش.، 9 يونيو 1984 ،ملف رقم 33921،م.ق.76.4.1989.

(15) غ.ق.خ.،20 يونيو 1968،م.أ.88.1؛غ.إ.،29 سبتمبر 1984،ملف رقم 35729،م.ق.193.4.1989 ؛.7 مايو 1984،ملف رقم 34961،م.ق.151.1.1990؛21 مايو1984،ملف رقم 31290، م.ق.154.1.1990؛   9 سبتمبر 1985،ملف رقم 32677،م.ق.16.4.1989؛

(16) غ.ق.خ.،9 أكتوبر 1968،م.أ.101.1.

(17) غ.إ.،29 سبتمبر 1984،ملف رقم 35729،م.ق.198.4.1989.

(18) غ.إ.،7 مايو 1984،ملف رقم 35348،م.ق.165.3.1989؛غ.أ.ش.25 يونيو 1984،ملف رقم 33636،م.ق.45.3.1989؛غ.إ.26 نوفمبر 1984،ملف رقم 35379،م.ق.126.3.1989؛غ.م.1،9 يناير1985،ملف رقم33798،م.ق.19.4.1989؛غ.إ.،1 أبريل1985،ملف رقم 32721،م.ق.139.3.1989؛غ.أ.ش.،6أبريل 1987،ملف رقم 44852،م.ق.91.4.1991؛غ.ت.ب.،25 مارس1990،ملف رقم65976،م.ق.162.4.1991؛غ.أ.ش.،14 فبراير2007،ملف رقم 381468،م.م.ع.241.1.2008 ( عدم الرد على إحدى الدفوع المقدمة من أحد الأطراف يشكل قصور التسبيب)

(19) غ.ق.خ.، 26 يونيو 1968،م.أ.45.1؛20 مايو 1970،ن.ق.72.3.1970؛غ.إ.16 نوفمبر 1984،ملف رقم 38043،م.ق.166.1.1990؛غ.أ.ش.،25 ديسمبر 1989،ملف رقم 56268،م.ق.58.3.1991.

(20) غ.إ.،24 سبتمبر 1984،ملف رقم 35764،م.ق.143.3.1989.

(21)غ.إ.،6 ديسمبر 2006،ملف رقم 350940،م.م.ع.291.1.7.

   ( 22 ) عبد السلام ذيب ،قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد ، ص.246 .

(23)غ.أ.ش.،09/12/1988،ملف رقم 51282،م.ق.63.2.1991 ( من المقرر أن تقسيم عقار القاصر يعد من بين التصرفات التي يستأذن الولي فيها القاضي ).

 

 

Aucune note. Soyez le premier à attribuer une note !

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

Date de dernière mise à jour : 05/05/2016

×